كلمة أسرة العلامة محمد المختار السوسي بالندوة الفكرية بمهرجان تافروات – دور وجهود محمد المختار السوسي في كتابة تاريخ بادية سوس

Home / المقالات / كلمة أسرة العلامة محمد المختار السوسي بالندوة الفكرية بمهرجان تافروات – دور وجهود محمد المختار السوسي في كتابة تاريخ بادية سوس
كلمة أسرة العلامة محمد المختار السوسي بالندوة الفكرية بمهرجان تافروات – دور وجهود محمد المختار السوسي في كتابة تاريخ بادية سوس

تافراوت | كلمة أسرة العلامة محمد المختار السوسي بالندوة الفكرية | دور وجهود محمد المختار السوسي في كتابة تاريخ بادية سوس +صـ67ـور
كلمة أسرة العلامة محمد المختار السوسي في الندوة الفكرية التي نظمتها جمعية مهرجان فستيفال تيفاوين تحت عنوان: ” دور وجهود محمد المختار  السوسي في كتابة تاريخ بادية سوس ” بتافراوت مساء الجمعة 7 غشت 2015م ألقاها الأستاذ رضى اللـه عبد الوافي المختار السوسي الساهر على نشر تراث والده

تافراوت | كلمة أسرة العلامة محمد المختار السوسي بالندوة الفكرية | دور وجهود محمد المختار السوسي في كتابة تاريخ بادية سوس +صـ67ـورتافراوت | كلمة أسرة العلامة محمد المختار السوسي بالندوة الفكرية | دور وجهود محمد المختار السوسي في كتابة تاريخ بادية سوس +صـ67ـور

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه
السيد رئيس جمعية فستيفال تيفاوين المحترم
السادة العلماء والأساتذة الأجلاء
حضرات السيدات والسادة الأفاضل
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
يطيب لي أصالة عن نفسي وعن أسرة والدنا ووالدكم الطيب الذِّكْر ، العلامة رضى الله سيدي محمد المختار السوسي ، أن ألقي هذه الكلمة الموجزة في هذا الحفل البهيج ، وأمام هذه الثلة من الأصفياء ، وفي هذه المدينة العزيزة على القلب ، التي تضيف اليوم إلى تاريخها أروع الصفحات باحتضانها لهذا اللقاء العلمي المبارك ، تكريما لأحد أعمدة المغرب ، الصفي الخيّر المجاهد المعلم ، المربي السياسي المحنّك ، العبقري الشهيد ، صاحب الآثار الفكرية الخالدة ، المحافظ على دينه ولغته العربية ، المعانق لقضايا وطنه وشعبه .
وما كنا لنلثم جميعا لولا المبادرة التي اتخذتها  جمعية مهرجان تيفاوين ، ويكفيها فخرا أنها جمعتنا اليوم لنشارك ونعيش معها فعاليات الدورة العاشرة ، والتي أخذت على عاتقها أن تتبنى ربط الثقافة والعمل العلمي ضمن فعاليات هذا المهرجان ، وهي تحتفي بوالدنا في هذا اليوم ضمن هذه التظاهرة الثقافية ، التي أراد منظموها أن يجعلوها ذكرى اعتراف وامتنان لِما أسداه والدنا لهذه القطر خاصة ، والمغرب عامة ،  وبِعَملكم هذا فإنكم تبرهنون أنكم رجال الوفاء وحُماة المروءة ، المُشيدين بروح التآلف المعروفة لديكم ، وما كان ذلك كله ليقام لولا تظافر جهود مجموعة من ذوي الإرادات الحسنة ، ومن ذوي الغيرة على هذا القطر الغالي علينا ، الذين دأبوا على العمل على إنجاح هذا الملتقى السنوي ، ونرى فرضا علينا جميعا أن نجزي الشكر ونثني الثناء الحسَن على كل المساهمين في هذا الملتقى ، فلهم من الله عز وجل حُسن الثواب .
أيها الحضور الكريم :
لقد كانت الشرارة الأولى لكتابات والدنا هي عندما حط الرحال بمراكش بعد سوس والساعدات ،  حوالي 1919 م إلى 1924 م ، وهو يستكمل مشواره التعليمي بدأ في هاته الفترة  معانقة القلم ، وهو في أواخر عقده الثاني ،  حيث صدرت منه مقطعات ورسائل ، ودوّن أول كتاب له ، المسمى : ” حياة الشيخ   الوالد ” ، وفي الفترة نفسها ، بدأ في جمع وتدوين تراجم لأدباء سوس ، حيث ذكر رحمه الله في الجزء الثامن عشر من : ” المعسول ” في صفحة  376  : (( كنت أكتب حول علماء سوس قبل كتابة ” المعسول ” وتنظيمه هكذا … انتهى كلامه )) ، وكذلك ما ذكره في الجزء الثالث عشر قي صفحة 122 حيث كتب : (( …  من كتاب كان يُجمع من حدود 1340هـ  ، تراجم لبعض أدباء وعلماء سوس ، زاعما جامعه أنه يسجع فيه على نمط ” قلائد العقيان ” … انتهى كلامه )) .
وقبل نفيه إلى إلغ ، بدأ في الإشتغال بأول كتاب تاريخي له ، ألا وهو مخطوط : ” مراكش في عصرها الذهبي ” ، حيث كان يشتغل بجمعه منذ سنة 1354هـ فالتي بعدها ، لإظهار مراكش وعظمتها أيام اللمتونيين والموحدين ، وقد أتم فصله الأول الخاص باللمتونيين ، وبدأ في الفصل الثاني الخاص بالموحدين ، فكاد يتم تحريره ، وقد جمع له موادا كثيرة ، فإذا بالنفي جاء على غفلة منه ، مما  اضطره إلى التخلي عنه ، وكل ما دوّنه في الفصلين تحت أيدينا ، وسنحاول نشره إن شاء الله .
ثم بعد ذلك كما هو معلوم ، فقد تم اختطاف ونفي والدنا من منزله وبين تلامذته في مراكش صبيحة الخميس 11 مارس 1937م ـ اليوم المنحوس كما يسميه ـ فسِيق إلى تارودانت التي قضى بها ليلتين مدلهمتين ، ثم إلى إيغرم ، فإلغ ، التي حلّ بها بين مغرب وعشاء الاثنين 15 مارس 1937م ، وليمكث في منفاه الإلغي إلى الإفراج النهائي يوم 10 أكتوبر 1945م .
وبذلك  أمضى والدنا تسع سنين في منفاه ببلدته ، أمضى منها  الخمس سنوات الأولى تحت الإقامة الجبرية ، حيث لا يزور ولا يزار إلا خلسة  ، ولم يكن يغادرها إلا مرات قليلة عندما كان يستدعى لتافراوت لملاقاة أصحاب القرار : الكولونيل ( منضي ) أوالقبطان ( باريوس ) ، وبعد السنوات الخمس ، سُمح له في الأربع الباقيات أن يغيب عن القرية لفترات متقطعة ، حين سمحت له الحكومة ببعض التجوال في نواحي سوس خاصة ، كإجراء أولي لإطلاق السراح النهائي ، ثم في   5 أكتوبر 1942م ،  أبلغته  الحكومة أيضا أنه مُسرّح إلى الحواضر ، ما عدا سكنى الحمراء ، فاستغل ذلك في رحلات عدة ، أهمها رحلته للحواضر التي دامت شهورا ، زار فيها  مدن الحواضر الكبرى : أگادير ـ مراكش ـ البيضاء ـ فاس ـ مكناس … وعمل رحلاته الجزولية الأربع المشهورة ، المدونة في كتابه ذي الأربعة أجزاء : ” خلال جزولة ” ،  وجزء خامس هو ذيل للرحلة الأولى ، المسمى : ” الرسالتان ـ البونعمانية   والشوقية ـ ” .
وهكذا إذن ، فقد أملت إرادة الأقدار أن ينُفى والدنا إلى بُحبوحة قبيلته إلِغ ، مُرغما عن ذلك ، وكانت رغبته أن يُنفى إلى محل آخر ، على أن يُنفى إلى ما بين إخوانه وعشيرته ومريدي زاوية  والده ، لأنه حسب قوله : لِإلغ في نظري مكانة أسمى من أن تكون منفى الأحرار .
وعندما حط الرحال ، بدأ يتطاول إلى شغل يحول بينه وبين الاسترسال في التفكير ، الذي هو مجلبة للهموم ، ومدعاة لنوازع الأسى ـ على حد تعبيره  ـ فلم يجد بُدًّا رحمه الله من معانقة اليراع  معانقة الألف مع اللام ، منذ اليوم الثالث ، وخط به آلاف الصفحات الأدبية والتاريخية السوسية الفاخرة  ، وعمل على إحياء ما اندثر من سوس كلها ، ولَمِّ الشمل لتاريخه ، وحَوّل منفاه الإلغي إلى كلية نشيطة ، وسوق عكاظ أدبية قائمة ، واستغله لتحقيق مشروعه العلمي والثقافي ، ووظّف قلمه في التدوين والتسجيل ، وإحياء ماضي هذه الأمة ، وأنقذ تاريخها الذي كاد يكون نَسِيا منْسيا ، وهو بذلك استحق أن يكون الإبن البار للقرية النائية في أصقاع سوس ـ إلغ ـ حين بعثه الله وهيأ له الأسباب ليصرف أنظاره إلى الوجهة النافعة ، حتى ترك لنا ما يُشِيد بذكر أمته في مجلدات وأبحاث علمية متعددة ، لا يمكن لأي باحث أو دارس الاستغناء عنها ، فهي المصدر والمرجع الوحيد الجامع الحافل لتاريخ قطر سوس بأجمعه ، ولا تقتصر عليه فقط ، بل تعدى ذلك إلى ذكر أحداث وشخصيات ووقائع عدة في شتى أنحاء مغربنا الحبيب .
إن نفي والدنا وإن كان نِقْمة ، ففي طيّها نعمة ، فقد أخذ على نفسه جمع أخبار سوس من كل جهة ، وأنفق في ذلك ما أنفق ، وما زاده النفي وهو في خلوته ، إلا صلابة في العزيمة ، فقام بأعمال جليلة قَلَّما يقوم بها غيره ،  فبذل كل ما في إمكانه في جمع كل ما يتعلق بناحية سوس من جميع النواحي ، وجعل جميع جهوده لإحياء تاريخه المرموس ، فقد كتب عن العلماء وعن الأدباء ، وعن الرؤساء ، وعن العادات والتقاليد ، ووصْفِ المدن والقرى ، وحالتهما الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، ونظام التعليم والمناهج الدراسية ، دون إغفال ذكر المجاعات    والحروب ، مستعينا في كل ذلك بالعديد من الوثائق ، سواء كانت ظهائر أو رسائل أو فتاوى          أو أبحاث فقهية ، أو ما دُوّن في المخطوطات والكنانيش الخاصة ، دون نسيان التوثيق الشفاهي الذي عادة ما لا يغفل عن ذكر الوقائع الحاضرة أو الماضية مما لا يوجد مدونا في الكتب ،  وفَصّل ذلك كله ودوّنه في كتب خاصة ، ومع ذلك كله ، فإنه لم يتناس ثقافته الأمازيغية ، ولا بيئته التي نشأ فيها ، بل قد أدلى بدلوه في نشر الثقافة السوسية الأمازيغية في مؤلفات اختصت بذلك ، وأغلبها لا يزال مخطوطا ، كمؤلفه : ” الألفاظ العربية في الشلحة السوسية ” ، الذي يعتبر بحثا لغويا تتبع فيه الألفاظ العربية الدخيلة في الشلحة السوسية ، وبَيّن في مقدمته تأثير العربية في الشلحة ، ومؤلفات وتراجم أخرى له ولغيره ، ومن خلال ذلك كله ، فإن الذين كانوا يتهمونه بالتقصير في خدمة الأمازيغية ، لم يكونوا على صواب في الحُكْم عليه ، لأنهم لم يطّلِعوا على كل إنتاجه ، وحُكْمهم جائر .
لقد تلقى والدنا محنة النفي بصبر عظيم ، فقد أمضى في إلغ ما أمضى بين القرطاس والقلم ، وجزى الله الحكومة خيرا حين نفته إلى سوس ، ولولا هذا النفي لغاب عنا تاريخ هذا القطر العزيز ، والله سبحانه وتعالى هو الذي هيأ أسباب ذلك ، وفي شأن ذلك يقول والدنا قولته      المأثورة : (( … وكثيرا ما أرفع عقيرتي قائلا :  شاءت الأقدار أن أكون في سوس ، فلأكن في   سوس ، ولأكن حيّا بعمل يحيي كل ما اندثر من سوس كلها …   فكنت أقول دائما : تريد الأقدار أن أكون في سوس ، فها  أنذا  في سوس ، فلأجعل لسوس جميع جهودي ، لأحيي من تاريخه ما أمكن لي ، وحين لا تمكن الإحاطة ، ولا يمكن أن أتسع في ذلك كما أريد ، فليكتف بما تيسر، فقد : ( يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق ) ، لذلك انكشفت تلك البرهة ، عن مسودات كثيرة جدا في حقائب بجراء ، فإن أمكن تخريج الكل كما أريد ، فإن صفحة جديدة كانت كلها مجهولة ، ستنفتح عن هذه الجهة المغربية … ـ انتهى كلامه ـ )) .
إن أول كتاب  اشتغل بجمعه  والدنا في منفاه منذ اليوم الثالث هو : ” المجموعة الإلغية في الآداب والآثار ” ولا يزال مخطوطا ،  وهو كتاب ضخم في جزأين ـ وهو تحت أيدينا ـ ويقع في أكثر من 500 صفحة من الحجم الكبير ، وبه من الآثار الأدبية ما يفوق 900 ، ما بين قصيدة  أو أبيات شعرية ، أو تقريظ أو مساجلة أو تعزية ، وعدد كبير من الرسائل والوفيات ، وغالبه لأدباء سوسيين إلا القليل منهم ، وقد كان ينسخ فيه كل ما يتعلق بالأدب… فصار يأخذ منه لكتابه  ” مترعات الكؤوس “ولموسوعته “المعسول” … ويكون في نصف ذلك ، وما بقي منه خصّه لمخطوط كتابه : “جوف الفرا “.
ثم بعد ذلك اهتم بجمع أخبار والده الشيخ الإلغي ، بعد أن لم يجد إزاءه إلا بعض من صاحبوا والده ، وخاصة المنقطعين في زاويته ، وبعض زائريها ، فبدأ يُقيّد عن كل واحد ما أمكن ، مجموعا غير مرتب على السنوات ، زيادة عن أخبار الشيخ ما يستقي منه الباحثون في الاجتماعيات عن الجيل الذي كاد ينقرض ، ودوّن ذلك في كتابه : ” من أفواه الرجال ” ذي العشرة أجزاء ، لم يُطبع منها إلا الثلاثة أجزائه الأولى ، ثم بواسطته أتى بعده جمع وتدوين مواد موسوعته ” المعسول ” ، ثم اندغم في عدة كتب بعد ذلك ، وأهمها مخطوط كتابه الكبير : ” سوس العلمية ” الذي حرر فيه عدة مؤلفات ، وهو ليس كتابه : “سوس العالمة ” كما يتبادر إلى الذهن .
هكذا إذن استوحى والدنا كتابة معسوله من أفواه الرجال الذين خالطهم في بداية إقامته الإجبارية في المنفى الإلغي ، وقد استمد كتاب ” المعسول ” ما جُمع أولا لكتاب ” الفتح القدوسي ” المسمى فيما بعد ” من أفواه الرجال ” .
ويعتبر كتاب ” المعسول ” ،  من أهم الكتب المؤلفة في القرن العشرين ، حيث يُعد الكتاب المغربي الثالث من حيث عدد أجزائه ، والاول المطبوع في عشرين جزءا ،  وهو كتاب شامل ، أراد مؤلفه أن يكون موسوعة سوسية شاملة ، شاهدة على المجهودات التي بدلها طوال حياته ، ويعد العمود الفقري لكل مؤلفاته ، وإن كان يغلب عليه الصبغة التاريخية ، فهو لا يخلو من وصف شامل لمنطقة سوس ، وإسهاب الكلام حول أسره العلمية ، واستيعاب الكلام حول علمائها وتقلب أحوالهم ، وعرض آثارهم ، وتوظيف ذلك في تراجم عديدة لهم ولمختلف الطبقات ، يتعايش فيها العالم والعامل ، والأديب والشاعر ، والصوفي والفقيه ، والأستاذ والتلميذ ، والقائد والثائر…
وقد كانت فكرة تأليفه  في بداية الأمر عندما كان صاحبه طالبا بمراكش ، كما ذكرنا من قبل ، ثم اختمرت الفكرة بعد ذلك أكثر بُعيد نفيه إلى مسقط رأسه ( إلغ – الدوگادير ) ، وكتابته لمآت التراجم على شكلها الحالي ، وتلك التراجم الأولى المكتوبة بمراكش وضعها كلها بآخر تراجم أصحابها في ” المعسول ” المكتوبة بالمنفى الإلغي ، وعلى سبيل المثال لا الحصر ، ما هو بتراجم كل من : الطاهر الافراني ، ومحمد بن يحيا الازاريفي ،  ومَحمد بن الحاج الافراني  ، ومحمد بن مسعود المعدري ، والأديب عبد الرحمن الايسي  ، إلى غير ذلك … وكان يعنونها بعناوين مختلفة ، منها  : قولة بعضهم في كتاب ، أو : قولة بعضهم في الاستاذ من قديم ، وأحيانا يكتب : قولة بعضهم فيه بين تراجم  أدبية … والقارئ النبيه سيلاحظ تغَيّر أسلوبه بين الفترتين .
و” المعسول ” الغني بمادته ، يجد فيه الدارس والباحث كل ما يريد معرفته ، ليس عن النصف الأول من القرن العشرين ، بل فيه من الأخبار ما قبل ذلك بكثير ، وسلط الأضواء على عدد من القضايا والوقائع بجزئياتها وتفاصيلها ( الغير السوسية ) ، وعلى سبيل المثال لا الحصر : ذكر قضية الجيلالي الروگي المكنى ببوحمارة ، وصفحات من كفاح تافيلالت التحريري ، والجهود التي بدلها الزعيم أحمد الهيبة وكفاحه ضد الإستعمار ، وذكر حوادث      أيت  باعمران ، وأخبار عن عبد الكريم الخطابي ، ومحمد بن حمو الزياني ، ولم يفته تدوين تأريخ المجاعات والأمراض والجفاف والغلاء الناتج عن ذلك …  وخاض  فيه  أخبار الفقهاء والأدباء والرؤساء والصوفية ، وكل ما يتعلق بأحوال البادية ، واعتبره كالداخل إلى السوق التي تجمع كل شيء .
ومن مميزاته كذلك ، أن مؤلفه أنقذ لنا عددا هائلا من الوثائق الرسمية الهامة ، وزاوج فيه بين التأليف والتدوين والجمع ، بل تجاوز إلى تحقيق مجموعة من المصادر ، فجمع نسخها وقابل بعضها ببعض ، ليستخرج منها نسخا قابلة للتداول ، محلاة بهوامش تدل على سعة الاطلاع  ودقة الملاحظة ، وبذلك أسدى خدمات علمية جليلة للخزانة المغربية ، وأنقذ العديد من هذه المؤلفات والوثائق والنصوص الهامة من الضياع .
وكتاب ” المعسول ” كما يعتقد البعض أنه أُلّف كله في فترة النفي الإلغي ، إلا أن ذلك بعيد عن الحقيقة  ، فتحريره وخروجه في صيغته النهائية ، مرّ عبر عدة محطات : فترة مراكش التي ذكرناها ، والتي كانت الشرارة الاولى له في تدوينه ، ثم أتت فترة النفي الإلغي ، والتي لو اقتصر مؤلفه على ما دَوّنه فيها ، لأتى لنا في ثمانية أو عشرة أجزاء ، إلا أنه بعد مغادرة المؤلف لمنفاه ، بدأ في كل وقت أتيح له أن يضيف إليه ما رآه يستحق أن يضاف ، وخصوصا في فترتي مقامه بالدار البيضاء والرباط ، ففي البيضاء وعند رجوعه من معتقليه : تينجداد وأغبالو نكردوس ، استغل عدم مزاولته لأي شغل ، بإعادة تنظيم معسوله وتهيئته للطبع ، وإضافة العديد من التراجم ، واستكمال البعض الآخر ، وحشوه أيضا بعدة مخطوطات ، إما كاملة أو مختصرة ، وأتم الكل بالرباط عند استوزاره بها ، وخصوصا عندما بدأ يطرحه بالمطابع ، فقد أضاف بالخصوص في هذه الفترة العديد من الصفحات ، وتراجم ووثائق جديدة ، كما هو الشأن مثلا في ترجمة القائد الناجم الأخصاصي ، المدونة في أول الجزء العشرين .
وقد أمضى والدنا ما يقرب من الأربع سنين الأخيرة من حياته في طبع مؤلفاته ، حيث طبع 35 جزءا منها  ، ولكي يتمكن من أداء نفقات الطبع ، اضطر إلى بيع خزانة كتبه إلى جمعية علماء سوس ، وكذلك بيع منزل له بالرباط ، ومستعينا أيضا بما يخصصه لذلك من مُرتّبه الذي كان يتقاضاه عن منصبه في الوزارة وفي القضاء .
هذا ما عنّ لنا أن نقوله في ختام هذه الكلمة المتواضعة ، التي نعتذر عن إطالتها ، ولا يسعنا إلا أن نُعْربَ لأعضاء الجمعية راعية هذا الحفل ، عن عظيم سعادتنا ، وبالغ ابتهاجنا لهذه المبادرة النبيلة ، والتي تستهدف اطلاع أبناء الجيل الحاضر على ما أسداه آباءهم وجدودهم لهذا الوطن العزيز ، فهنيئا لكم لجَمْعكم لهذه الثلة الصافية المتميزة ، وإننا لنجدد شكرنا مرة أخرى لمنظمي هذه التظاهرة ، ونتمنى لهم كامل التوفيق والنجاح في ملتقاهم العاشر هذا ، وفي الملتقيات الأخرى ، وما أحوجنا إلى تظاهرات وندوات أخرى ، لعلنا نستطيع جميعا أن نتفهم ونتدارس مشاريع والدنا الثقافية والعلمية ، التي عمل على تحقيقها في مسار حياته .
اللهم ارزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل ، في السر والعلانية ، وصَلّ اللهم وسلم على شفيعنا سيدنا محمد وآله الطيبين ، والحمد لله رب العالمين .
رضى الله عبد الوافي المختار السوسي
الساهر على نشر تراث والده
الرباط في : 5 غشت 2015 م
e-mail : Ridallah.Abdelouafi@gmail.com