لمحات عن السيرة الذاتية للمختار السوسي -الجزء الثاني

Home / سيرة العلامة / لمحات عن السيرة الذاتية للمختار السوسي -الجزء الثاني
لمحات عن السيرة الذاتية للمختار السوسي -الجزء الثاني

 يقدم المختار السوسي ،حيثيات نفيه من قبل السلطات الاستعمارية الى إلغ،والنتائج المترتبة على ذلك النفي القسري ،وردود الفعل المختلفة عليه ، بالحمراء و بإلغ.ويكشف عن آليات تأقلمه مع العزلة المفروضة عليه ،بإلغ ،والضغوط النفسية الممارسة عليه لثنيه عن اختياره وحمله على اختيار الوظيف رغم عدم استعداده النفسي والفكري للانخراط في مهن منظمة .
وقد حاولت القوات الفرنسية مرارا استمالته عبر إدراجه في أسلاك الوظيفة ، إلا أنه أبدى رفضا قاطعا لذلك بدعوى انعدام الكفاءة المعرفية في حقول الفقه والقضاء.

(أصرح بملء في أنني لم أخلق للوظيفة أية كانت ، و إن كان لا بد ، فوظيفة هادئة قليلة المسؤولية ، والعجيب أنني أبعد الناس عن وظيفة القضاء لأني جاهل للفقه ، إلى حد أنني لا أرضى لنفسي أن أكون فيه كلابس ثوبي زور …)
(عبد الوافي المختار السوسي –السيرة الذاتية للعلامة رضى الله محمد المختار السوسي –مجريات أطوار حياته- مطبعة المعارف الجديدة –الرباط –الطبعة الأولى : 2009-ص. 183).
عاش المختار السوسي ،إبان النفي ، في عزلة كثيفة حتى أثناء مواسم الطريقة الإلغية الدرقاوية ،بسبب المضايقات الاستعمارية.ورغم قساوة العزلة ،والانفصال عن خلانه،فإنه انكب على الكتابة والتوثيق والتنقيح والتصحيح والاستدراك.
ورغم مكانته الاجتماعية ،فقد كان ضحية وشايات واتهامات وشكوك،في الحواضر كما في إلغ نفسها.فلم يتردد خصومه السياسيون في اتهامه بالمهدوية،واستثارة المخيال السياسي السوسي القديم .
وبعد تسريحه ،باشر رحلاته العلمية والاستكشافية في رحاب سوس ، تجميعا للتراث السوسي المبعثر ، وتوثيقا لماجريات الماضي ، وتنظيما لما تبعثر من أفكار وأوراق وتقاييد وكنانيش ،وتسجيلا للمذاكرات والمطارحات ،وتوصيفا للمشاهدات والمعاينات .
بعد سنوات خمس من النفي ،نظم المختار السوسي ، أربع رحلات علمية ، ضمنها كتابه “خلال جزولة “.وقد عمل على تتبع المخطوطات والاعتناء بتاريخ الوقائع والتعريف بالشخصيات وتقييد المذاكرات وجرد محتويات المدارس العتيقة والخزائن.

(وقد تقطعت بنا الأسباب وأجيفت دوننا الأبواب ، وغادر الدهر المختار المسكين نسيا منسيا في هذا القفر ، كأن لم يكن قط شيئا مذكورا ، كأن لم يجل ذكره المسامع ،كأنه ليس من الأحياء ،كأنه لا يعرف الحضارة ، ولا يتذوق حلاوة المدن ،كان المختار أمس معرفة من أعظم المعارف ،يلج ذكره كل مسمع ، ويرن اسمه في كل مجلس ، ثم لم يكن إلا عشية أو ضحاها ، حتى صار كأنه صوفي يهرب من الشهرة ، وينزوي في مغارة ، حيث لا يزور ولا يزار ، في بادية الغ المقفرة .)
(عبد الوافي المختار السوسي –السيرة الذاتية للعلامة رضى الله محمد المختار السوسي –ص.
(174-175
ولئن انشغل إبان النفي ، بالكتابة والتوثيق والتنقيح والاستدراكات،فإنه لم يعدم وسائل لعبية للتنفيس عن غربته النفسية بمنفاه بإلغ.فرغم تربيته الصوفية ،فلم يكن الخمول من شيمه.ولم يستطع الانفصال ،نفسيا ووجدانيا،عن خلانه بمراكش وفاس ،ممن ملكوا مهجته وشكلوا مادة أحلامه الليلية.
(عندنا في الغ لعبة نسميها (لعبة النوى ) فكنت متى ضجرت من شغل ،ومللت من الكتابة ،واجمت نفسي من المطالعة ،أجمع حولي صبية أهلي :الحسن وعبد السلام ابني أخي أحمد ، وإبراهيم وعلي ابني أخي الحبيب ، وفيصل ابن أخي محمد ، وعبد الرحمن ابن أخي عبد الحميد ،فلاعبهم بتلك اللعبة ، وفي عشية أمس قبيل المغرب ، بينما أنا معهم في ذلك ، إذ هتف بي هاتف من باطني : أبعد كهولتك تجالس الصبية ؟ أو من بعد استوائك على المنابر ، تسوي قعدتك للألاعيب ،فأطرقت مليا ،والصببية فيما هم فيه،فقلت لنفسي : إن العتب كله على الدهر ،الذي لوى عني كل مؤنس ، وألقاني في هذا الموحش ،الذي حرم علي فيه أيضا حتى المجالسة إلى من يؤنسونني …)
(عبد الوافي المختار السوسي –السيرة الذاتية للعلامة رضى الله محمد المختار السوسي –ص.
)175-176
والملاحظ أن المختار السوسي ،يعتني بالقضايا الدينية حتى في اللقاءات والاجتماعات الحزبية ، بدعوى التخصص والميل النفسي. والحقيقة،أن عنايته بالشأن الفكري في تلك المقامات ،تتجاوز التخصص والكفاية ،وتمت بصلات وثيقة إلى رغبته في تحقيق التوازن داخل التنظيمات الوطنية ،بين التوجه الفكري بله الفكراني ،والاعتبارات السياسية والتنظيمية.فقد كان مدركا،لما يمكن أن يسفر عنه التوجه الأدائي –التقني ، من تسويات على مستوى الايديولوجي.وليست نتائج التحديث الفكري ، بتركيا ومصر خاصة ،ببعيدة عن إدراكه.
من مفارقات هذه السيرة ،انصراف المختار السوسي إلى ماضي سوس دون حاضره ؛فهو مشدود،نفسيا وذهنيا ووجدانيا ، إلى الحواضر ،ومتردد كثيرا في تحريك السواكن وإخراج البوادي السوسية من سكونها.فلئن انشغل بالتوجيه الفكراني ،بمراكش وسوس ،ـفإنه لا ينشغل في سوس ، إلا بالاعتكاف على المخطوطات والدفاتر والكنانيش والتقييدات ومحتويات الخزائن الخاصة والعامة والى مكنونات الزوايا ،وبالترجمة للأحياء والأموات ، وجمع المواد العلمية لتاريخه( المعسول وسوس العالمة والرؤساء السوسيون وإليغ قديما وحديثا ) ورحلاته( خلال جزولة ).
يصف المختار السوسي ،فضاء ثقافيا سوسيا ،مستكينا إلى تقاليده وموروثاته،وعصيا على رياح النهضة والتجديد الفكري ،الآتية من المشرق حينا ومن الغرب حينا آخر.
ومن الواضح أنه ،لا يولي أي أهمية ، لتجديد الفكر بسوس ،وتحديثه إسوة بما يقع في الحواضر.و من المحقق أن الفضاء السوسي ،شهد فصولا من التثاقف منذ القرن التاسع عشر(تاريخ سيدي ابراهيم الماسي )،لا يمكن تغييبها ،بأي حال من الأحوال ، في أي معالجة جادة للتاريخ الثقافي لسوس.والواقع أن مؤلفاته ، ولاسيما (المعسول) ( ورحلة من الحمراء إلى إيلغ )شاهدة على هذا التثاقف وعلى بذور التحديث الفكري بحواضر وبوادي سوس .
(..فإن من مزايا هذه الناحية ،أنها لا تزال تعيش كما يعيش أهل القرون الوسطى في الأفكار ،والإمعان في الإخلاص لما يجدونه بين أيدي آبائهم من علم وعقلية ، ومتوجهات صارت بها سوس اليوم أعجب العجاب بين الأقطار . )
(عبد الوافي المختار السوسي –السيرة الذاتية للعلامة رضى الله محمد المختار السوسي –ص.
. (204
فهل استحال سوس إلى مجرد إطار تاريخي،محصور في تاريخيته ؟ألا يملك الفضاء السوسي آنذاك ، ديناميات قابلة للتطوير على غرار الحواضر المخصوصة في الأسفار المختارية ،بالحيوية والحركية الفكرية والثقافية ؟لماذا يغيب المختار المثقف ،ليحضر المختار المؤرخ والأديب (بالمعنى التراثي للكلمة )،كلما تعلق الأمر بالفضاء السوسي ؟لماذا اختار ،كتابة تواريخ متوارية،عوض الانكباب على التاريخ لمراحل تطور الوعي الفكري والسياسي ،بسوس ،والكشف عن المؤثرات الثقافية والحضارية والبيئية في ذلك التطور؟
ألا تعزى منهجيته ،الى أسبقية الجمع والتدوين والتنظيم ، على التعليل وعلى الاستعانة بالنظريات التعليلية في الكتابة التاريخية ؟
رغم المستجدات الحالة في ركاب التحديث ،لم يفقد المثقف التقليدي ،روابطه وكاريزماه ووجاهته الاجتماعية؛فهو قادر على التأثير في ماجريات الأحداث،وفي توجيه الأنظار وتحديد الأولويات،ورسم خرائط الطريق والاستفادة من تسهيلات اجتماعية كثيرة.
فلئن استفاد المختار من التموين المعتاد ،فإنه توصل كذلك ،بتموينات إضافية باعتباره من الأعيان ،رغم أنه منفي ومراقب من قبل المراقبة الفرنسية .ويشرح كيف أسهمت فتواه الخاصة بعدم حلية زواج الرجل بأخت جدته لأمه في تمتعيه ببعض الامتيازات المخصصة للأعيان .
(وفي يوم جاء هذا المراقب إلى دارنا فاستدعاني ، فقال : إن الطلبة الذين في المركز قد اختلفوا في مسألة شرعية ، وقد سألت عن عالم كبير في الشريعة يرتضى بحكمه في الفقهيات ، فذكرت لي لأنك قرأت من فاس ، ثم ذكر المسألة وهي هل يجوز ان يتزوج الرجل أخت جدته لأمه ؟ فقلت له مبادرا : لالا ، لا تجوز ، ثم استحضرت في الحين قول المختصر : (و أول فصل من كل أصل )، فاقترح أن اكتب ذلك كفتوى .)
(عبد الوافي المختار السوسي –السيرة الذاتية للعلامة رضى الله محمد المختار السوسي –ص.
. (216
تنطوي سيرة المختار على إفادات جمة عن تطوره الفكري ،وعن تمثلاته وتصوراته عن الذات الجماعية والذات الفردية ، وعن الآخر ،القريب والبعيد ،وعن تصوراته الوجودية والميتافيزيقية.فآراؤه مشدودة الى نسق يتداخل فيه الفيزيقي بالميتافيزيقي ، والتاريخي بالميتا-تاريخي،والفردي بالجماعي.فرغم انشداده الى العقلنة وسعيه إلى ترشيد المتخيل الجماعي ،وبخاصة البدوي ، فإنه كثيرا ما يصادق على متخيلات جماعية ، بفعل التنشئة والانتماء الى أسرة ذات انتساب عرفاني مؤكد.
وتكشف كثيرا من الوقائع المسرودة،عن أنماط التفكير والتنظيم الاجتماعي السائدة آنذاك ،وعن محتويات المتخيل الجماعي.فبما أن مفاعيل التحديث ضعيفة،فإن أنماط التفكير القديمة ،ظلت هي السارية،بكل ما تنطوي عليه من مبالغات خيالية ،وجنوح نحو اللامعقول والأنماط العرفانية،حتى في فهم المشاهدات البسيطة .
يدافع المختار كثيرا ،عن اختياراته الفكرية والاجتماعية ،وعن دوافع وسياقات تلك الاختيارات،و بخاصة في زمن النفي إلى ايلغ.فقد فضل ،بناء على سبر ذاتي لإمكانياته وميوله ، التركيز على المناحى التربوية والفكرية في الحواضر وعلى تجميع تراث وكتابة تاريخ سوس .كما يقدم اضاءات مهمة ، عن أنماط التفكير والاعتقاد ورؤية العالم لدى الخاصة والعامة ،واهتمامات النخبة ،وسياسات الحماية الفرنسية بسوس وبالحواضر على حد سواء.
إبراهيم أزروال
http://www.m.ahewar.org/s.asp?aid=446635&r=0&cid=0&u=&i=0&q=