لمحات عن السيرة الذاتية للمختار السوسي (1)

Home / سيرة العلامة / لمحات عن السيرة الذاتية للمختار السوسي (1)
لمحات عن السيرة الذاتية للمختار السوسي (1)

خصص محمد المختار السوسي ،قسما من كتابته لسيرته الذاتية؛لا ينفصل التاريخ الحدثي أو التاريخ الاجتماعي في مؤلفاته عن تاريخ الذات .
تخلو كتابته السيرية من الاستبطان ومن النفاذ إلى المسكوت عنه،إلا أنها لا تخلو من إفادات ، عن لحظات وأزمان ومشاهد وارتقاءات معرفية ووجدانية وسلوكية.


ينشغل محمد المختار السوسي ،كثيرا ،بسرد كفاحه المرير من أجل تحصيل المعارف ،واثبات الذات في الواجهة المعرفية والفكرية ، والتغلب على الاكراهات المجتمعية والسياسية ، الحائلة دون الانصراف إلى المعرفة والى التاريخ والآداب .
يصف المختار السوسي ،شقاوات الطفولة ،ولذات الاكتشاف في رحاب سوس ،ومتعة الاندماج في صفوف الفقراء بإفريان بشتوكة والدشيرة بكسيمة،ومباهج التوادد مع الخلان بمراكش وفاس والرباط .
ويصف بكثير من الدقة ، مراحل نموه المعرفي ، وانتقاله التدريجي من العرفان الطرقي ، إلى التسلف المتصالح مع العرفان السني .كما يصف ،كيف انفتح أرباب العرفان الصوفي نفسه على العلم الشرعي والآداب ،في لحظات صعود السلفية المجددة( الافعاني ومحمد عبده ومحمود شكري الألوسي ).فلئن اختار المختار ، في بداياته ، الطريق العرفاني ، بما ينطوي عليه من مرقعات وطقوس وأذكار وأوراد يتأثير من صوفيين نافذين من أمثال سيدي محمد بن عبد الله الزيكي ،فإنه مال إلى العلم الشرعي والآداب والتاريخ بتأثير مباشر من الشيخ سعيد التناني و الشيخ محمد بن العربي العلوي والشيخ أبي شعيب الدكالي دون أن يتخلى عن جوهر العرفان وهو ما سماه ب(المحبة والاعتقاد الحسن).
تكشف محكيات المختار السوسي ،عن لحظات الانتقال من العرفان الطرقي ،الى السلفية المجددة ،بفعل التأثر بمستجدات الساحة الفكرية المشرقية تحديدا.فلئن هيمن العرفان الطرقي على المتخيل القروي ،فإن الحواضر المتأثرة برياح الشرق والغرب ،بدأت في مراجعة أسس العرفان ،والتناظر حول مشروعيته المعرفية والتاريخية ، والعودة إلى المرجعيات المعيارية في المجال التداولي الأصلي(السيرة الذاتية و مشيخة الإلغيين من الحضريين… الخ) .
وقد ركز المختار السوسي كثيرا على مراحل التحصيل بإلغ وافريان ومراكش وفاس والرباط ؛ و من الواضح أنه ،يخص المرحلة المراكشية والرباطية ، بعطف خاص ، نتيجة ما اكتسبه من معارف وتجارب وصداقات ،في رحاب فاس والرباط ، وبالأخص نتيجة ما لمسه فيهما من تطور نوعي في المدارك والمعارف ، وما اختصتا به من الميزات بالقياس إلى البادية السوسية في ذلك الأوان .
ولذلك لا تخلو سروده عن سوس من نقد وتنديد ببعض الظواهر الاجتماعية والثقافية ؛ولعل هذا النقد هو الباعث ، على الانكباب على تاريخ سوس السياسي والاجتماعي والثقافي ،لإجلاء الفوارق ،وإظهار سبب غمة الحاضر . 
(..كنا في أفعال غريبة ،ومسابقة إلى الجرأة والوقاحة ، كما هو شأن كل مدارس سوس إذذاك ،فإنها ما أخلاها إلا أخلاق أهلها الفاسدة ، إلا من أخذ الله بيده، فإن كانت نزهة الطلبة كنا في الرعيل الأول من القفازين المرحين ، حتى أثمرت تلك الأفعال ثمرا غريبا ،فقتل طالب من بيننا فكرهت أن أبقى هناك فخرجت .) 
(عبد الوافي المختار السوسي –السيرة الذاتية للعلامة رضى الله محمد المختار السوسي –مجريات أطوار حياته- مطبعة المعارف الجديدة –الرباط –الطبعة الأولى : 2009-ص.36)
لعب الطور الفاسي دورا أساسيا في تشكيل وعي المختار السوسي ،وتحديد اختياراته الفكرية والسياسية.فقد شهدت فاس آنذاك حراكا فكريا،أفضى الى تعضيد السلفية الجديدة،وتعزيز مواقعها الاجتماعية والثقافية.وقد تمكن ، في هذا الطور من الانفتاح على الكتابات النهضوية ،في مجالات الآداب والفكر،ومن اكتشاف مرجعيات جديدة ،لم يكن له سابق معرفة بها في أطواره السابقة.وكان للاندماج في الحراك الثقافي بفاس ،تأثير في مراجعاته الفكرية ،وإعادة تقويم مداركه المحصلة في أطوار التنشئة الأولى .
(تكونت لي في فاس فكرة دينية فرقت بها ما بين الخرافات المموهة ، وبين الروحانيات الربانية ، كما نبتت مني غيرة وطنية نسيت بها نفسي ومصالحي الشخصية ،فأعدت نفسي فداء لديني ولوطني ولأمتي ،التي هي أمة العرب والإسلام جمعاء وأنا بين هاتين : الفكرة والغيرة أسبح في آداب حية طلع بها هذا العصر الجديد ،فصرت أقرأ من نثر المنفلوطي وفريد وجدي ومحمد عبده وأضرابهم ، ومن شعر شوقي وحافظ ومطران وأمثالهم ما عرفت به أن الذي كنت أسبح منذ صغري ليس إلا ضحضاحا كدرا ، لا يبرد جسدا ، ولا يفثأ غلة ، ولا يقضي على لهفة .) 
(عبد الوافي المختار السوسي –السيرة الذاتية للعلامة رضى الله محمد المختار السوسي –ص.61)
(..إن اليوسي صوفي صرف،وشيخ ممن تجاوزا إذ ذاك الستين ،فلا غرو أن يزهد فيما كان يتطلع إليه في عهد شبابه ،ومقتبل عمره،كما قال ، وأما أنا فإني أديب أريحي ،ليس لي في التصوف إلا المحبة والاعتقاد الحسن ، الذي ليس معه غلو ، ولا أزال في شبابي ومقتبل عمري ، وأنا الآن كما أدب إلى قمة الأربعين ، فلو كان قلب الأديب يشيب ،لربما قلت إنني لا بد أن أنتظر عشرين سنة أخرى ،لأكون في برودة اليوسي ، لكن قلب الأديب الأريحي الفكه مثلي لا يزداد على طول الأيام إلا شبابا وطراوة ،فأنى يا عباد الله المصنفين الذين يقدرون قدر الأدباء ،والأريحيين الفكهين ،أستطيب مثل حياة اليوسي …) 
(عبد الوافي المختار السوسي –السيرة الذاتية للعلامة رضى الله محمد المختار السوسي -ص.170)
ففيما انحاز الحسن بن مسعود اليوسي إلى البادية و التقلل والتزهد،فإن المختار السوسي انحاز إلى التحضر والى التجديد و إن بتحرز.ومن البين أن انحيازه إلى التحضر ،مرتبط بموقفه الفكري وهو موقف تجديدي متحرز من غلواء بعض المتفقرة. 
أيا كانت أراء المختار السوسي المعلنة ،فإنه التزم ، في الغالب ، بالتوسط والتوفيق بين التصوف والتسلف ، بين التحضر والتبدي ، بين الأصالة والمعاصرة.فهو ينفتح على التجديد والعصرنة والتحديث ، بمقدار ، ويتخير من البداوة والتصوف ما يبدو له مناسبا وملائما لخدمة أغراض التجديد والنهضة والتحرر من ربقة الاستعمار.
(إقترنت ،فحاولت أن أبقى بدويا لا يأخذ من الحضارة إلا بمقدار ،فأغلقت باب داري عن النساء ،فلا تعلم قعيدة بيتي ما وراء الباب من بنات الحضارة ، فلا تزور ولا تزار ،إلا من اختارتهن هي للدخول والخروج ،وقد تيسر لي مسكن إزاء الزاوية في الرميلة ،فأمكن لنا أن نستريح من كل ما يشتكي منه اليوسي في فاس ، فلا أسمع مقترحا ،فلا ( شوف اللحم) ولا ( شوف الحوت ) ولا (شوف الزعفران ) يلج أذني ،نقنع بخبز الشعير ، والزيت مع الخضر ، وبما تيسر من الكسكس، ومتى تيسر لحم فذاك …) 
(عبد الوافي المختار السوسي –السيرة الذاتية للعلامة رضى الله محمد المختار السوسي -ص.95)
من البين أن النخب الصوفية ،أدركت بفعل الضغوط السلفية المتنامية منذ أواخر القرن الثامن عشر وبالأخص منذ عهد المولى سليمان ، ضرورة تعضيد العرفان بالعلم الشرعي أو أحيانا بالآداب والمعارف التاريخية.من الواضح أن الأدبيات النهضوية والدينامية الفكرية والسياسية الموازية لها ،أثرت بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر ، في الصوفية أنفسهم .وموقف الشيخ سعيد التناني ، من الاهتيامات العرفانية للمختار ، وانتقال صوفيين نافذين من أمثال محمد بن العربي العلوي والشيخ تقي الدين الهلالي(الهدية الهادية إلى الطريقة التجانية ) من الطرقية إلى السلفية ،دليلان بينان على الحراك المعرفي واتساع المساءلة المعرفية للعرفان الطرقي ،في النصف الأول من القرن العشرين .
(..وحين سكرت من تلك الجرعة وعزمت على أن أوجه كليتي أيضا إلى التصوف ،جاء سيدي سعيد فقال له : قل لفلان إن كان يتبع نصحي أن يتوجه كل التوجه إلى استتمام تعلمه ، حتى يكون عالم العلماء ، وأما عالم الفقراء فإنه ليس بعالم حقا ، ولينظر إلي أنا الذي كنت عالم الفقراء ،فمن أنا بين العلماء ؟ )
(عبد الوافي المختار السوسي –السيرة الذاتية للعلامة رضى الله محمد المختار السوسي -ص.51
لم يستطع المختار السوسي التكيف مع أجواء إلغ ، بعد نفيه إليها بقرار وزاري؛ويرجح ذلك ،تأكيدا ، إلى ارتباطاته وعلائقه ونوعية نشاطه الفكري والسياسي بمراكش في الثلاثينات.فمن الصعب على مثقف ،ترقى في مراقي المعرفة ، وأغنى تجربته الفكرية بالانفتاح على الأدبيات النهضوية وعلى ما أمكن نقله من معارف الغرب إلى العربية ،العودة إلى فضاء ثقافي منغلق على نفسه . فأيا كانت الاعتبارات الشخصية والنفسية،فإن للاعتبارات الفكرية ،يدا في غربته واغترابه بإلغ .
(نعم نزلت بين ظهرانيكم مرغما ، فكنت أجد أحيانا موضع مواساة ،فأسرب بعض الهدايا أقوم بها جهدي على نحو ما ألفته ،ثم لم يزل بعضكم في تمضغ بلحمي وتلقيبي بالمتهور ، حتى صرت عند هذا البعض لئيما ، أرى موضع الإحسان ،فأراود نفسي على أن لا تفعل ، خوف أن أقع منه في مثل ما وقعت فيه ّ، كما تراود البخيل نفسه على نفحة ، فلا يزال بها حتى يردها ، أفمن كانت بلادهم وأخلاقهم على هذه الوتيرة ينبغي لمثلي أن ترتاح إليهم ، خصوصا إذا أرغم على أن يساكنهم ؟ ) 
(عبد الوافي المختار السوسي –السيرة الذاتية للعلامة رضى الله محمد المختار السوسي –مجريات اطوار حياته-ص.169)
من الضروري ،إذا العودة إلى السيرة الذاتية ، لفهم واستيعاب كثير من كتابته التاريخية والفكرية ؛ فمواقفه الفكرية ، تتأثر ،تأكيدا ، بالحوافز والمثيرات والتأثيرات الشخصية ، كما هو الحال بالنسبة إلى كل مثقف ،يلزم نفسه بالاختيار بين البدائل المختلفة ، وتسويغ اختياره فكريا ومنهجيا ، حتى تكون لأرائه قوة استدلالية وبراعة إقناعية ، لا يمكن التنكر لهما في محافل التناظر والتثاقف .
وبالمثل ، يلزم العودة إلى كتاباته التاريخية ، لإنارة جوانب ، معتمة والمسكوت عنه ، في كثير من كتاباته الذاتية.
ابراهيم ازروال 
الحوار المتمدن-العدد: 4660 – 2014 / 12 / 12