العلامة المختار السوسي من خلال دعوة الحق.. (11) العالم المتأصل

Home / المقالات / العلامة المختار السوسي من خلال دعوة الحق.. (11) العالم المتأصل
العلامة المختار السوسي من خلال دعوة الحق.. (11) العالم المتأصل

العلامة المختار السوسي من خلال دعوة الحق.. (11)

[محمد المختار السوسي، العالم المتأصل][1]

تعتبر المدرسة العلمية العتيقة في المغرب رمزا للأصالة العربية الإسلامية في المغرب، وبرهانا على ما للعبقرية المغربية على مر العصور من حرص شديد على العلوم العربية، وعلى الثقافة الإسلامية، ذلك أن المغاربة كانوا –على امتداد تاريخهم الإسلامي العريق– حريصين على إنشاء هذه المدارس في مختلف المناطق: في الحواضر والقرى على السواء، وعلى رعايتها بشتى الوسائل، سواء من حيث الدعم والرعاية اللذان كانا لهذه المدارس من قبل ملوك المغرب عبر مختلف الحقب التاريخية، أو من حيث التسيير والتحويل والصيانة وغيرها مما كان الأفراد والجماعات يولونه لها، حتى تؤدي رسالتها التربوية والعلمية والفكرية على أحسن وجه.

وهكذا واصلت المدرسة العتيقة أداء رسالتها هاته، تلقن لتلاميذها مختلف العلوم: الدينية كالتفسير والحديث والفقه، واللغوية كالنحو والصرف والبلاغة، إضافة إلى مختلف فنون الأدب وباقي العلوم الدقيقة: كالفلك، والرياضيات والطب… إذ أن المئات من علماء المغرب المشهورين عبر مختلف العصور يعتبرون خريجي هذه المدارس المنبثة في مختلف جهات البلاد قديما وحديثا، فحافظت بذلك –وما تزال– على هذه المكانة، مما يجعلها جديرة بأن تنال لدى الدارسين والباحثين ما تستحقه من عناية تستهدف تخليد أمجادها والتعريف بأياديها البيضاء دينيا وثقافيا ووطنينا.

 

ويعتبر العلامة محمد المختار السوسي (1318-1383 هـ/1900–1963 م) نموذج التلميذ الذكي العبقري خريج المدرسة العتيقة. وقد تعددت المدارس العتيقة التي تلقى فيها صاحبنا دراسته بتعدد المجالات المعرفية والعلمية التي برز فيها، وتنوعت بتنوع المناطق الجغرافية التي توجد فيها انطلاقا من سوس، ومرورا بمراكش وأحوازها، وأخيرا بفاس والرباط. واستغرقت هذه الرحلة العلمية عشرين سنة كاملة خلال الفترة المتراوحة بين السنة الحادية عشرة والثلاثين من عمره.

العلامة المختار السوسي من خلال دعوة الحق.. (1)

كما كان العلامة نموذج الأستاذ النبيه الموفق في تكوين أفواج التلاميذ العالمين والعاملين، وذلك من خلال المدرسة العتيقة. فقد دأب محمد المختار السوسي على اعتبار المدرسة العلمية التقليدية مؤسسة علمية صالحة لمواكبة ومسايرة ما يستجد في كل عصر وفي كل بيئة، اقتناعا منه بأن المحافظة على الأصالة المغربية ضرورة تحتمها عدة اعتبارات، وأن التعليم المغربي الإسلامي الأصيل يعتبر الدعامة الكبرى والفعالة بتكوين الإنسان المغربي القادر على الدفاع عن الإسلام وعن الوطن، والقادر على صد العدو الاستعماري وعلى المحافظة والدفاع عن السيادة الوطنية.

وكان العلامة كذلك نموذج المجاهد المناضل في سبيل توسيع وتطوير المدرسة العلمية العتيقة، فلم يكن محمد المختار السوسي مجرد أستاذ اتخذ المدرسة العلمية العتيقة وسيلة لنشر علمه وبث أفكاره الوطنية والإصلاحية في صفوف تلاميذه، بل كان طوال حياته يناضل ويكافح في سبيل الإكثار من المدارس العلمية الأصيلة، وفي سبيل تطويرها، سواء من حيث مناهج التدريس فيها أو من حيث أهدافها البعيدة والعميقة الرامية إلى تكوين الإنسان المغربي الصالح دينيا ووطنيا وفكريا وسلوكا.

وكان العلامة أيضا نموذج الباحث المؤرخ الذي خصص للمدرسة العتيقة قسطا وافرا من كتاباته ومؤلفاته. فقد عرف بمدارس سوس على الخصوص من حيث تأسيسها، وتطورها، وعناية الأهالي بها، وعرف بمحتويات خزاناتها وبالعلوم والمعارف التي تلقنها لتلاميذها، وعرف بالإشعاع الذي كان لها على الصعيدين المحلي الإقليمي والوطني. كما ترجم لأساتذتها، وشيوخها، وتحدث عن آثارهم المتجلية فيما خلفوه من آثار، وما كونوه من تلاميذ، وما أسهموا به سبيل مقدمة العرش متمثلا في إخلاصهم له وجهادهم في سبيله ونصرتهم له، وخاصة في المواقف الصعبة التي تعرفها البلاد من حين لآخر، وكذلك مساهمتهم في خدمة الدين ممثلا في محاربتهم البدع، وتصديهم للشعوذة، ودأبهم على نشر العقيدة الصحيحة باعتمادهم على الدعوة إلى التمسك بالكتاب والسنة وبالمذهب السني المالكي. وترجم كذلك لتلاميذ هذه المدارس النجباء سالكا في ذلك المسلك نفسه الذي سلكه في الترجمة لأساتذتها.

يتبع في العدد المقبل…

———————————

1. خليل، محمد: “دور محمد المختار السوسي في تأصيل وتطوير المدرسة العلمية العتيقة“، دعوة الحق. العدد 258 ذو الحجة 1406/ غشت 1986.


العلامة المختار السوسي من خلال دعوة الحق.. (12)

شهادات وفاء في حق العلامة محمد المختار السوسي[1]

انتقل محمد المختار السوسي إلى عفو الله ورحمته وهو في قمة المسؤولية كوزير مستشار بمجلس التاج وكقاض في القصور الملكية وكشخصية سياسية لعبت دورا هاما في ميدان النضال والتحرير السياسي، وكمواطن له خصوصيته التي انفرد بها.

فقد كان المرحوم من حيث مكانته الاجتماعية في البلاد شخصية بارزة، ومع ذلك عاش حياة البساطة والنفور من المهابة والجاه والسلطة والاعتماد في حياته على الوضعية الاجتماعية التي اكتسبها في الأوساط الشعبية أثناء فترة الكفاح الوطني عندما كان يواصل علمه النضالي في ميادين التربية والتعليم والثقافة. وهذا التواضع الذي أصبح مضرب الأمثال عند العامة والخاصة والذي أكسب فقيدنا شعبية ومكانة جليلة. وكما كانت هذه البساطة تتجلى في فراش البيت وشكله وهيأته كانت تتجلى في المأكل والمشرب اللذين لا يخرج فيهما عن الضروري وما تهواه نفسه الراضية القانعة. والأستاذ يأبى حمل الثياب الفخمة التي يرتديها البعض رغبة في زيادة الاحترام والتعظيم وحبا في الظهور بمظهر المتكبر المتعجرف المتبختر في لباسه ومشيته وسلوكه مع الناس. فقد كان الفقيد عليما بقدره، فخورا بعلمه، معتزا بسلطان المعرفة والثقافة وكان يرى في ذلك كفاية له ويعتقد أنه حاز القسط الأوفر ما دام متوفرا على قلب خاشع ولسان مبدع وضمير مرتاح.

العلامة المختار السوسي من خلال دعوة الحق.. (2)

ولم يكن تواضع العلامة مبنيا على الحصول على منفعة شخصية أو مصلحة فردية وإنما كان أساسه الإيمان العميق الصادق وجدارة محبة المخلوقات كافة والسعي في خير الجميع وصلاح الأمة بأسرها حتى إذا قبضه الله إليه ترك جميع الذين عرفوه يلهجون بالثناء الجزيل عليه ويذكرونه بكل خير لأنهم فقدوا فيه ذلك الرجل المتواضع الذي لم تغره الوظائف ولم يدوخه الجاه والسلطان الذي ولم يبعده المنصب مهما علا وسما عن البقاء على اتصال بالجماهير الشعبية والأوساط الثقافية وجماعات العلماء والشيوخ وحلقات التدريس وتلاميذه الكثيرون وطلبته العديدين لا لغرض دنيوي أو غاية سياسية أو قصد مادي أو انتفاعي كما يفعل بعض الكبار والعلماء والزعماء وإنما بغية إحياء الروابط وعدم ضياع الأصدقاء وفقد الإخوة والانفصال عن التيار الشعبي. وفي إطار هذا الجانب الأخلاقي يمكن إدراج روح الصبر والإصرار والمثابرة التي تحلى بها الأستاذ في ميدان النشر والتأليف. ولعل أكبر دليل على هذه الهمة العالية هو تحقيقه لبرنامج وضعه لنفسه في السنوات الأخيرة بأن صدر أولا سلسلة موسوعة “المعسول” بكامل أجزائها العشرين، ثانيا بعض المؤلفات المتعلقة بخواطره وجوانب حياته الخاصة ك”الإلغيات” و”الرسالتين” و”الترياق المداوي” و”من أفواه الرجال” و”سوس العالمة” و”من خلال جزولة”… إلى أخره.

ومن أهم ما جاء في رثائه هذه الأبيات الرائعة:

ربعــــــت بفقــــــدك دنيـــا العــــلم والأدب       يــــا مــنبع الفيــــض والإلــــهام والخــــطب

ما زلت تســــبح فــــي جــــو العــلا تهمـــا       بالعلـــم والفــــضل حتــى ملتقى الشـهب

فجــــــــاء “معســــولك” الزخــــار منــــقبة       تشـــــــع بعدك طــــول الـــدهر والحــــقب

كشفت عن سوس عــلم ما أحــــاط بــها       من الحجاب فلاحت ســــوس كــــل أبـــي

في العلم كنت وفي الأخلاق غيــث هـدى       لـــــم تـــــلق مــن زائــــر إلا علــــى طـرب

مـــــازال بيـــــــتك للقــــصاد مـــــأســــــدة       تعج بالعلـــــــم والأخــــــــــلاق والكــــــتب

طلابـــــكم أســــــفوا والنــــاس قـــــاطـبة       مـــــن حـــــادث جـــلل أودى بخــــــــير أب

ومن يحــــاول وصـــــف الــــــبحر في كــلم       بكل عن وشــــــل والبحـــــر فــــي صـخب

فعش مــــع الأنبـــــياء الغر فــــي عـــــدن       شــــهيدنا المـــــــــعيا غـــــــير معـــــــترب

يتبع في العدد المقبل…

——————————

1. دعوة الحق. “المختار السوسي في ذمة الله…” العدد 65، ثم “جوانب فذة من شخصية المرحوم المختار السوسي” نفس العدد، و”عالم جليل في ذمة الله [المختار السوسي]، العدد: 66.