النفي والتضامن ومؤتمر الحزب الوطني..؟

Home / سيرة العلامة / النفي والتضامن ومؤتمر الحزب الوطني..؟
النفي والتضامن ومؤتمر الحزب الوطني..؟

النفي والتضامن ومؤتمر الحزب الوطني..؟

ذ محمد السوسي

العلم 10 – 07 – 2009


السيرة الذاتية لرجل عالم مجاهد مرب في مستوى المرحوم المختار السوسي في الواقع عند التأمل فيها وفي مجراها تجدها سيرة مجتمع في مرحلة معينة بكل أبعادها السياسية والثقافية والاجتماعية، لأنه بالإضافة إلى ما يدون من خلالها من الواقع المجتمعي فهو في نفس الوقت يحلل ويقارن ويعلق وإذا كان يتوفر على لاقطة بدقة الأديب الشاعر الحساس من صنف المختار السوسي فإن هذا الواقع يكون مجلوا وواضحا أمام القارئ فانه يراه رأي العين.
والمتصفح لهذه السيرة الغنية بالمعلومات التاريخية والاجتماعية والأدبية ويتراجم الأشخاص بالإضافة إلى تلك النفس الودودة والمحبة والوفية للإخوان والأصدقاء وللتلاميذ والشيوخ والطافحة بالتقدير والإجلال لكل من يتحرك في سبيل نهضة الوطن وتحريره، مع يصادفك في كل موقف من تواضع الرجل وتقدير الناس له ولدوره التربوي والعلمي وما يمتاز به الرجل من سلوك ديني رفيع.


والذي أراني مضطرا كذلك لقوله في هذا العرض الذي أحاول فيه إثارة الانتباه إلى هذا العمل أو الدرر التي كان متناثرا بين كتب الفقيد فجمعه ابنه في هذا العقد النضيد هو ما يشعر به كل قارئ سلك أو نحى منحى الفقيد في التماس العلم سواء في المدرسة العتيقة أو الكتاب، اما ذلك البدوي الوافد من قرية من قرى بادية المغرب أو حتى حواضرها ليسكن في مدرسة من تلك المدارس المحيطة بالقرويين أو ابن يوسف والمتردد على حلقات الدرس وشيوخ تلك الحلقات فإنه سيقرأ في الكتاب بلذة خاصة، فهو سيجد نفسه في كل ما يقرأ هذا الجانب من الكتاب، وإذا كان آتيا من سوس فإن الكاتب صور الحياة في سوس وما يلقاه التلميذ و الطالب في الكتاب والزاوية والمدرسة وما يشعر به عندما يغادر القرية ويجد نفسه في الحاضرة بكل مباهجها ومفاتنها ووسائل العيش التي لم يكن يألفها في قريته أو في مدشره فينبهر لكل ذلك أيما انبهار وقد مر بنا في الحلقة الأولى من هذا العرض كيف شعر الكاتب وما هي الإحساسات التي انتابته وهو يطل على مدينة مراكش لأول مرة، لقد كانت بالنسبة إليه كما هي بالنسبة لمن على شاكلته صدمة شعر من خلالها بوجود خاص وبلذة وطعم للحياة لم يكن يجدهما قبل
هذه الصدمة.
إنصاف الإخوان والأصدقاء
وتمتاز السيرة الذاتية للرجل بإنصافه لأصدقائه وإخوانه وإذا كان بعض الناس يتغافل عن دور الأبطال المجاهدين الذين قدموا كل شيء للعمل الوطني دون أن يأخذوا شيئا فإن المختار رحمه الله أنصف الكثير من الرجال الذين كان لهم دور مهما في العمل الوطني والتربوي ونجد الحديث عن هؤلاء متناثرا فيما كتبه ومن بين هؤلاء رجل قدم لوطنه تضحيات كبرى وكان من الموقعين على وثيقة الاستقلال ذلك هو مولاي احمد المنجرة المولود بفاس سنة1901 والمتوفي بمراكش يوم 4 يناير 2002 يقول المرحوم المختار في إحدى الفقرات من كتابه.
مولاي احمد المنجرة
كان مولاي أحمد المنجرة في مقدمة من كانوا لي خير أعوان فيما انتدبت له من فتح الكتاتيب التي تضم إلى سيرها القديم كل ما في الإمكان من الأنظمة الحديثة، ومن الأخذ من مبادئ العلوم العربية وما إليها، فتتحول مدارس ابتدائية، فكان هذا الشريف الجليل يتحمل كل ما في طاقته من أعباء في هذا السبيل، رغم أشغاله التجارية الكبرى، فكم فتح من أعين، وأسمع من آذان، وجلا من عقول، وأدر من جيوب، ومد من دعاية واسعة يتوقف عليها ما أمكن ان يدرك في مثل تلك البيئة من نجاح، ثم هو مع كل هذا لا يتصدر، ولا يحب أن تشير إليه الأصابع، شأن كل العاملين بإخلاص يتموج في أثناء صدورهم المفعمة بالإيمان الذي هو الإيمان حقا، وهل إيمان المسلم إلا ما ظهرت به أعمال، واهتدى به ضالون.
كان مشرفا على مدرسة خاصة جعلناها لأبناء الأعيان، وهي التي تسمت بعد ب (مدرسة الحياة) فتولى تنظيمها، ثم وجدنا الأخ الأستاذ إبراهيم وخلفه سيدي بريك خير مدركين بألمعيته كل ما يتطلبه الوقت، فتبناها الأخ ويسير بها إلى الأمام خطوات واسعة، كانت إذ ذاك من الأعاجيب، حيث كانت كل الأعمال إنما تقوم بالتضحيات لا بالمال، وللتضحيات نجاح مؤقت ، وكان من طبيعة الحال ألا يدوم مثل هذا العمل، إلا ما دام رجال التضحية يتوافرون ، وما أقل إذ ذاك رجال التضحية في هذا السبيل، ويكاد يكون انبثاق النجاح غير موجود ، لولا أمثال هذا الشريف ولو كان له أمثال كثيرون لكان النجاح أعظم وأعظم، ولكن على قدر الرداء تمتد الرجل.
وقبل أن أشير إلى أن دار مولاي احمد المنجرة كانت آخر دار زارها المرحوم قبل النفي نورد هذه النادرة بينه وبين مولاي احمد المنجرة:
… أرسل لي الأخ المنجرة كتابا… فوجدت في دفته الأخيرة نتوءا تحت ورقة ملصقة بها، فإذا تحت الورقة أوراق حمراء انتفخ بها الجيب، وانتقى بها الفقر الذي كان معنا… فقلت مرتجلا:
تاب الزمان فعاد الجيب منتفخا
افضى الكتاب بذيل في مجلده
ذيل توت به الأوراق قانية
من راحة بمعين المال سحاء
نبع أماني لي جمعاء كتعاء
ذوات ألف كما الوجنات حمراء
… ذلك ويزيدني انشراح الصدر، وبهجة القلب، وقرة العين، كفاية الجيب التي تحصل لي من كرام أنا مدين لهم بحياتي، كلها في هذا المنفى، فلئن عشت لهم، ليرون مني على رؤوس الإشهاد شكرا يملأ ما بين الخافقين (ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله).
ثم يخاطبه غيبا قائلا:
… أيها الأخ (مولاي أحمد المنجرة): أكتب إليك الآن في غرفتي وحدي …. أفي كل يوم هدية جديدة، أفي كل يوم تتنوع في الذي تواليه، فقد اكتسينا كلنا من كساك، وامتلأت جيوبنا من دراهمك، كما انشرحت صدورنا من هذا الوفاء الذي يقل مثله، فرويدك أيها الأخ، فو الله إني لأسبح في بحر إحسانك، حتى كدت اغرق فيه… توصلت بكل ما جاءني في أول هذه السنة، حتى الثمانون _ وبلغتها- حتى الحلواء، كما توصلت بكل ما جاء مع الحلواء…
وشاء الله ان تكون دار المرحوم احمد المنجرة هي آخر دار يراها من دور اهل مراكش قبل المنفى مع أن علاقة المرحوم بالمناضلين مثل عبد الله إبراهيم وعبد القادر حسن وغيرهم من العلماء والوطنيين كانت قوية وعلى أي فإن المختار يقول:
…. كانت دار المولى أحمد المنجرة آخر دار رأيتها بمراكش، قبل أن أغادر تلك المدينة صبيحة 28-12-1355 ه (11-3-1937م)، فقد سمرت عنده مع أبي المزايا العلامة إبراهيم الكتاني شقيق الروح إلى وسط الليل، فصاحبني إلى منزلي بالرميلة، ثم ما استيقظت مبكرا حتى أخذت سيري إلى السيارة التي غربتني هذا التغريب الذي لا أزال فيه، أفلا يدل هذا الاتفاق الغريب على أن كل من في الحمراء يتصدر منزلتهم في الفؤاد، هذا الخليل الذي هو أخر من وقعت عليه عيني ليلة النفي.
نذر النفي :
… في يوم من الأيام أخبرني مخبر أن الباشا أنهى إلى الحكومة أن فلانا يعنيني ثبت الآن أنه هو الذي يهيج الأفكار، وطالما طلبت منه الانفكاك، فأبى، والمصلحة كل المصلحة هو نفيه عن الحمراء، لئلا تقع معه في قلاقل، ولئلا يكون لنا منه ما كان من علال والوزاني واليزيدي في المدن الأخرى، هكذا أخبرني هذا المخبر وهذا غلط الباشا حين يجعلني في مصاف هؤلاء الزعماء، وأين انا منهم، والحق يقال فحصل لي شك كبير، لأنني أتيقن من نفسي ما أتيقن، والذي زادني ريبة في هذا الخبر، ان الباشا ما كلمني قط في الموضوع، ولكنني حينا ارجع ان هذا اقرب شيء الى الإمكان، ثم أقول: دع الأقدار تجري في أعنتها، والاستسلام لما تجري به الأقدار أسلم، وما في اللوح المحفوظ لابد ان يبرز للوجود، فلأتلقه بالرضا…
الشك يصير يقينا
هذا الشك تبدد ونقرر نفي المرحوم:
… حقا كان ذلك اليوم العصيب أول يوم هائل رايته في حياتي، التي سلخت منها إذ ذاك ثمانيا وثلاثين سنة، كانت كلها مواسم مسرات، وأعياد أفراح، وأعراس حبور، فجاء ذلك اليوم الشديد بما جاء به بغتة، فأملى علي أن للحياة أشواكا شائكة، لابد أن تنتشب يوما ما في ذيول من لا يزالون يجتنون من الأزهار الغضة ما يفغم خياشيمهم بنفحات ما مثلها نفحات، فجرعني بذلك الفراق الأليم صابا مريرا، لا أزال وقد استدار الفلك مرتين أحس منه بمرارة لا تنفك عن مذاقي، حتى لأحسبها ضربة لازب علي في الذي يتبقى في الحياة…
دخلت علي السيدة ربة مثواي في صباح هذا اليوم، وأنا لا أزال في فراشي، ومدت لي ورقة صغيرة بخط الأستاذ إبراهيم بن أحمد ابن عمي، الذي هو معيني في كل شيء، فإذا فيها أن عونا للباشا في انتظاري خارج الزاوية، فخرجت وقد تناولت بيدي أحد أعداد (الرابطة) المجلة المصرية الشهيرة ونسيت أو ذهلت عن مصاحبة كتاب مّا، مع أن عادتي التي عرفت بها أنني لا أخلي إبطي من كتاب مّا للمطالعة، متى خرجت من محلي ولو خرجة صغيرة.
رد فعل مراكش على النفي:
… إستفاق كثير من إخواني في مراكش صباح ذلك النهار المشؤوم، فتمشت بينهم أنباء يا لها من أنباء، لأنها وإن كانت تدور حول رجل واحد، فرد عادي لا يسمن ولا يغني من جوع، كانت كنذير عام للجميع بأن الدهر قد بدأ يقلب لهم ظهر المجن، فلم يكن ما مس به اليوم أحدهم إلا كالبرق الذي لا يخلب، فلا يلبث أن يستهل وراءه مطر من الكوارث ثم ينهمر، فيأتي على كل ذي روح حية،
وكذلك كان، فقد تتابعت بعد ذلك النهار أنهر أخرى طافحة بالسيول الجارفة، كان لها في جميع أنحاء القطر مصائب، كم أذابت من قلب، وأسالت من دمع، وأرمضت من كبد، وأشمتت من عيون، ممن لا يريدون أن تقع أبصارهم على ذي نسمة له من الشعور والحياة ما يفضل الله به بعض الناس على بعض.
إيه، وقعت الواقعة الخافضة الرافعة، فنفت وأرمست، وأهانت من كانوا أو كانوا، أو كانوا، وفي أي صف أقع أنا بين تلك الصفوف؟ فلست بزعيم سياسي أقوم في ميادين السياسة، بما يقوم به إخواني السياسيون العاملون، ولا بذي مبدإ خطير أقلق به المجتمع، إن هي إلاّ وطنية توجهت بها إلى نفع الأمة بالإرشاد والتعليم وإزالة الغشاوة، فكيف إذن كان نصيبي أولا من بين لداتي، هذه الشدة الفادحة التي أصلتني نارها، وأقحمتني تيارها، أم كانت ((الجرومية)) أيضا والاشتغال بها في مادة قاموس الحكومة، وإرشاد العباد، مما يدخل تحت السياسة المخيفة ربما … ومن يدري…؟ والرعديد قد يرى غير شيء فيظنه رجلا.
هذا بعض ما عبر به المرحوم في حديثه عن منفاه الذي خصه بكثير من الكلام والحديث في سيرته الذاتية.
وفيما يلي رد فعله في منفاه عن اعتقال القادة الوطنيين ونفيهم
اعتقال وفي القادة ورد فعل المختار في منفاه:
في يوم الأربعاء 7 شعبان سنة 1356 موافق 13 أكتوبر 1937 انعقد بمنزل المرحوم المجاهد ج احمد الشرقاوي مؤتمر الحزب الوطني بالرباط صدرت عنه قرارات تندد بالوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي المتردي وميثاق وطني للدفاع عن الحريات والعمل المباشر لمقاومة سياسة الجنرال نوجيس وكان رد الفعل ثورة وطنية هائلا عن هذه الثورة وما نتج عنها. عقب إلقاء القبض على علال الفاسي ومحمد اليزيدي وأحمد مكوار يقول المختار:
كتبت حين بلغ الخبر بما وقع للإخوان الوطنيين في رجب 1356 ه: يا لله ولتواتر هذه الحوادث الجلى، أفي كل يوم حادث جديد، يقلقل الأضلاع، ويقض المضاجع، ويستل من أعماق الصدور أهلة حرى طويلة، كما يلفح التنور المسجور.
إن كان بعض الأزمان يوصف بعقم في ولادة الكوارث الهائلة، قإن هذه السنة 1356 ه في وطننا هذا المنكود، ولود ناتق، حتى أنها لتكاد تتكشف في كل أسبوع عن بركان جديد، وزلزال عظيم، يهتز له المغرب من أقصاه إلى أقصاه، فبينما نحن نقاسي من المضض الاذع المحرق من حادثة (18 رجب المراكشية) إذا بأخرى تتكسر عن أنيابها في الخميسات فالقنيطرة، فأثارت زوبعة ملأت الأفق المغربي كله أنينا وغما وأسى، ثم تحولت عشواء تخبط عن يمينها وشمالها، فتلم كل من يمت بسبب، ومن لا ناقة له فيها ولا جمل، ولم يعمل فيها بقدم، ولا يمكن منه ذلك لكونه من الذين ليس فيهم استعداد للتضحية، فابتعد عن النار لئلا تحرقه.
أصحيح أن أفلاذ الكبد لززوا بالأصفاد وأحيطوا بالجامعات، وألقوا في غياهب السجون؟ أصحيح أن أعظم الناس دعوة إلى السلم والنظام، وأبعد الناس عن الالتفات إلى المشاكسة والمقارعة، كانوا هم بأنفسهم من طوقوا بنتائج هذه الأعمال، وأذيقوا مرارتها، وإن لم يكونوا من جناتها، ولا ممن يميلون إلا إلى الهدوء والسكون، وإلى المصالح من الباب الذي يفتح لكل من يرتجى أن يدرك مطلبا، أو يبلغ مأربا، أو يرفع شكوى بما يحس به قد أبلغ روحه التراقي.
ها أنتم أولاء يا من بأيديهم الأمر قد أوجدتم بأنفسكم أسبابا مموهة، ففرقتمونا بها شذر مذر، وجعلتمونا بها من بين منفى إلى قفار موحشة، لا يونس حياة إلا من شعاع الشمس المحرقة، أو من آثار الريح العاصفة، التي تملأ عينيه وثيابه الدكناء غبارا، وبين ملقى في الغيابات التي لا يلقى فيها إلا المجرمون السفاكون السفاحون، الذين يزعزعون الأمن، ويأتون على الحياة الإنسانية، بإجرامهم الذي لا حياة معه تلفى.
أمس سقتموني ظلما وعدوانا إلى هذه القرية الميتة التي لا يحوم حولها شعور، ولا ينبض فيها عرق، وقبضتموني من حياة علمية هادئة، ومن بين إخوان مساكين همهم وحده في تعلم ما يجعلونه إذا نورا يستضيئون به في ظلمات المعترك الحيوي، ثم حملتموني حتى زججتموني في هذا الجحر الضيق، ثم أصممتم آذانكم عن تكلم الصرخة العالية التي بلغت عنان السماء إلي بسبب، وفي اليوم تعودون أيضا إلى استيصال الجذور، وإلي تمزيق القلوب في الصدور، وإلى دوس حرم أبى المجد إلا أن تصان منذ ألف سنة أو أزيد.
نفيتموني فقلت: لا بأس فأي فائدة مني، ومن أنا، ومن هذا المختار بين الشباب العامل، فهل يضيع بضياعه إلا دروس ضئيلة، ليس فيها جديد يخاف على جدته وطلاوته وروائه، ولا منفس مثمن يجب ان يحافظ عليه لمكانته ولشفوفه، فصبرت وضممت صدري على المضض، وصرت أقول: ( إن لم يكن ما تريد فأرد ما يكون) فصرت أزجى الأيام بكتابات تجمع من الخزف ما يغمر بعض شذرات تتراءى من بينها، وأنا أقول فيما بيني وبين نفسي، ليكن هذا كله، ولأطب نفسا ما دام هناك من العاملين من ثبتوا في الصفوف ورابطوا في الثغور، ولازموا الأبواب يتطلبون، فعسى أن يفهم هؤلاء الناس: أننا أيضا ممن يستحقون حظهم من تحت هذه الشمس المنيرة، في هذا العالم الواسع الأرجاء، وممن لا ينبغي أن يلقوا ظهريا، وتصم الآذان عن مطالبهم المحقة، فيمدوا إلينا ما تيسر لهم، فإن ذلك في اليوم كيفما كان سداد من عوز.
… أتطلع الآن في مرآة إزائي، فأتبين وجهي وجبيني وعيني المحمرتين وقد تغيرت سحنتي، وبلغ بي التأثر مبلغه، فصحت لا والله، لا نرتد عن مطالبنا، ولا نحنى رؤوسنا، ولا نطأطئ الهامات إلا ريثما نعالج ما نعالجه بتريث وتؤدة وتعقل، وإلا فقد وهبنا أنفسنا كلها في هذا السبيل، فليعلم بذلك أولو الأمر، وليعرفونا وليحسبوا لنا ألف حساب، ما داموا لا يريدون إلا أن يعاملونا معاملة العجماوات التي لا حس لها ولا شعور، وهي التي ما كانت لها أماني ولا آمال تقف عليها مستقبل حياتها.

ذ محمد السوسي

العلم 10 – 07 – 2009