المختار السوسي، عالم جليل في ضيافة تنجداد (6 حلقات)

Home / المقالات / المختار السوسي، عالم جليل في ضيافة تنجداد (6 حلقات)
المختار السوسي، عالم جليل في ضيافة تنجداد (6 حلقات)

resizedimage (4)

سعيد الخضار / سيدي افني.

لن أطيل على القارئ التنجدادي في التعريف بصاحبنا العالم العلامة محمد المختار السوسي

الذي استضافته تنجداد إبان حملات البوليس الفرنسي التي شنها بالدار البيضاء بداية الخمسينات

من القرن الماضي وجيء به الى معتقل تنجداد هو وزمرة من المقاومين، ولد العالم الجليل في

قرية “إلغ ” جنوب المغرب وهي قرية تبعد عن مدينة تيزنيت بحوالي 84 كم وذلك سنة 1319ه

حوالي 1901م حفظ القرآن الكريم وأشهر المتون الفقهية والتحق بجامعة ابن يوسف بمراكش

سنة 1919م وبجامعة القرويين 1923م ثم التحق بالرباط واتصل بالشيخ أبي شعيب الدكالي

والمدني بن الحسني واخد عنهما، ثم اشتغل بتدريس الحديث والفقه والأصول والمنطق والأدب

ثم انتقل الى مراكش حيث درس بالزاوية الدرقاوية بباب دكالة، وقد تضايق الفرنسيون من

نشاطه السياسي ومواساته للفقراء والمعوزين من ماله الخاص، فنفوه الى مسقط رأسه “الغ”

حيث لبث في منفاه سبع سنين ثم سمح له بالعودة الى مراكش ،1945م نفي بعدها الى البيضاء

ثم الى تنجداد ثم “أغبالونكردوس” حيث جمعته الأقدار بالمناضل المهدي بنبركة والذي

يصفه في كتابه (معتقل الصحراء) “فهذا الشاب النشيط المغوار (يقصد بنبركة) هو كفرس

امرئ القيس مكر مفر مقبل مدبر معا وذلك لأن روحا منه قوية لما تلق ما تتعالى إليه”

وكان رحمه الله في هذا المعتقل يقضي جل وقته في تدريس اللغة العربية لبعض الوطنيين

المنفيين ويمازحهم تطييبا لخواطرهم “خذوا العربية من شلحكم ” وبقي في المنفى الى سنة

1955حيث رجع الى الدار البيضاء، وفي عهد الاستقلال شغل منصب وزير الأحباس في

حكومة البكاي الأولى، ثم عين وزيرا للتاج وللشيخ سيدي المختار تراث فقهي وتاريخي

وأدبي ضخم ك “المعسول ” و”سوس العالمة “وديوان شعر يضاهي به فحول الشعراء.

في الحلقة القادمة سنتحدث عن ” رحلته في منفاه القسري في تنجداد ” وكيف استطاب

المقام وأحب هذه الأرض وما قال فيها من أشعار.

 سعيد الخضار

 

سيدي افني في 18رضان 1435ه

المراجع : كتاب في معتقل الصحراء

جريدة التجديد

**********************************************************************************

المختار السوسي، عالم جليل في ضيافة تنجداد “الحلقة الثانية”: “في الطريق الى تنجداد”

 

resizedimage (4)

سعيد الخضار / سيدي افني.

باغتيال الزعيم النقابي التونسي “فرحات حشاد ” عرفت الدار البيضاء إضرابا واسعا، كما شهد ذلك اليوم

اعتقالات واسعة في صفوف المناضلين والمقاومين، يصف الحاج المختار ذلك الجو فيقول:

…….”جاء يوم الاضراب من اجل اغتيال الزعيم النقابي التونسي (فرحات حشاد) وكان ذلك يوم الاحد وفي يوم الاثنين

، ابتدأت الاعتقالات وفي صبيحة الأربعاء، تهيأت لمثل ما أصاب الاخوان، وانا موقن أنني أحدهم …. ثم أصبحت

أوصي من أريد توصيته على الأهل والصبيان الذين خلفتهم ورائي كزغب القطا، ….ثم مررت بالدار فلبست جبة غليظة

ووضعت فوقي سلهاما غليظا ودفعت للسيدة كناشة لا أريد ان أصحبها معي ، وذلك من غير أن أقول لها شيئا على عادتي

في مثل هذه المواقف …… ثم يصف خروجه مع احد تلاميذ النجباء قاصدا دار (الاستاذ الحمداوي ) ثم تابع يقول :

…. وجلسنا انا والأستاذ نتساءل عما نتوقعه معا ن وقد قربت صلاة العصر…. فإذا بجرس الباب يرن فأطل مطل فإذا

بالبوليس ، فحقت الحاقة ونزل ما كان متوقعا، وماله من دافع …ويستطرد كيف تم تفتيش الدار ثم قيادته الى المركز

وعند المغرب أخرجنا ثلاثتنا أنا و الاستاذ (الحمداوي ) والاخ السيد (محمد الشرايبي) فركبنا سيارة جيب ، ثم أتت

الجامعات ( يقصد الأصفاد minot) خلاخل في الايدي فكنت في الوسط ولكن الوسط الذي لايلغى عند الإنتاج

(تعبير قديم عند المناطقة) وربما يقصد أنه ليس الوسط المعروف في المثل (خير الأمور أوسطها)

إلى تافيلالت

…. ثم لما سارت السيارة صرنا نتتبع وجهتنا بأعيننا، والظلمة تسدل ذيولها ثم أدركنا اننا صوب الرباط

……وبعد ثلث ساعة في مركز الاستعلامات في الرباط خرجوا بنا في سيارة لينة المقاعد… وقد كنا سألنا عن

الخبز فلم نتوصل الى شراءه كذلك سرنا في طريقنا لا ندري الى اين ، وقد تلويت في سلهامي الغليظ وغطيت وجهي

فالفصل فصل برودة وقد نمت بين الرباط ومكناس فلم أستيقظ إلا عند الوصول ،(على الهامش يقول أن أحدهم أخبره

أنه سمع السائق يقول :عجبا بين المعتقلين فقيه نعس نعسة بين الرباط ومكناس كانه لايدري الى أين سيذهب به)

…كنا ثلاثة عشر كما حسبتهم حين طلع النهار ثم سارت القافلة بنا الى  جهة لا ندري ماهي الى ان عرفنا فيما بعد

أنها جهة (تافيلالت )فطلع علينا الفجر قبل وصولنا ميدلت .

الحلقة- 3 – في الطريق الى تنجداد

 

**********************************************************************************

المختار السوسي، عالم جليل في ضيافة تنجداد “الحلقة الثالثة”: “الليلة الأولى في معتقل تنجداد”

 

resizedimage (4)

سعيد الخضار / سيدي افني.

يحكي سيد المختار كيف وصل الى سجن تنجداد وكيف استقبله رئيسه الشاب الظريف اللين الذي لم ير منه تشددا في الحراسة،حيث أخذه الى دار وجدها تكنس وأخبره ان هذا محله ويستطرد المختار في ذكر تفاصيل البيت فيقول :وهو محل فيه بيتان وساحة صغرى ومستراح وباب المحل مفتوح الى ساحة فيها شجيرات وحقول وبئر. ثم يصف ليلته الأولى فيقول:

…بت تلك الليلة على حشية عسكرية وتحتي غطاءان من نوع ما يفترش ويتغطى به الجند وهما سميكان، وفوقي غطاءان كذلك وقد وجدت الفراش نسو وسادته فأتيت بحجر فوضعته تحت الفراش مما يلي الرأس، فارتفع به الفراش، فكان خير وسادة، وهكذا جاء الفراش الوطيء والغطاء الكافي، فاللهم شكرا من أعماق الفؤاد، وقد تردد علي جاويش المركز، فآتاني بماء سخين فتوضأت، ثم بمجمر فيه جمر يتلظى، لأن الوقت وقت برد، تم بقنديل بترول، ثم اتاني رجل يسمى (علي بن بريك) فقدم الي نفسه على أنه المكلف بطبخ مِؤونتي، فقال اعذرني فإني اليوم لا لحم عندي ولا خضر، لأني لم أتهيأ لضيافتك، فآتاني بدشيشة من الشعير مسقية بالسمن وببراد سخين، فليصدقني القارئ ان قلت له انها أكلة وقعت مني ما لم تقعه بسطيلة ولا حنيد ولا دجاج محمر ، وهل تربيت إلا بمثل هذا أو بأدنى منه ، فيا لها من نعمة أدى الله عني شكرها.

رسم للمعتقل القديم:

resizedimage (1)

 

**********************************************************************************

المختار السوسي، عالم جليل في ضيافة تنجداد “الحلقة الرابعة” “شاعر في تنجداد”

 

resizedimage (4)

سعيد الخضار / سيدي افني.

تحية تنجداد كتبها في أزيد من20بيتا يوم 24 ربيع الثاني 1372

 

(تنجداد) إني اليوم ضيفك هــــــل أرى *** بأرضك ما تقضي ا لضيافة من كرم؟
فصحوك هذا المســـــــــــتطاب مبشر *** بأن ندى كفيك لي من بني الديـــــــم
أتيتك منفيا على رغم معطســـــــــــي *** ولكني أستريح الروح من أمـــم (1)
فهذي حقول يدفق المــــــــــــاء بينها *** أيبرد هذا الماء في الصدر ما اضطرم؟
فها تيك الفاف النخيل فهــــــــــل أرى *** يرفرف لي من فوقها للعلى علـــــــــم
هدوء عظيم مستفيض وكيف لــــــــي *** بصدري هدوء ينتفي معه الســــــــأم
فيا ليت اشعاع الطبيعـــــــــــــــــة هذه *** يحل بقلب ملؤه الغم والألـــــــــــــــــم
فذي وحدة قد قسمت لي جديــــــــــــدة *** تغادر نفسي مثل لحم على وضــــــــم
فمن قبل يوم كنت بين عشيرتــــــــي *** سعيدا إذا بي مفرد السجن في الظلـــم
وحيدا فلا ألقى أنيسا مضمـــــــــــــدا *** بحلو حديث ما الزمان به كلــــــــــم (2)
   الى أن يقول:
أتخشى (فرنسا) وهي من بعد ما رأت *** هزائمها كادت تعود الى العــــــــدم
فدع كيد كل الكائدين ومل إلـــــــــــى *** إلهك بالعزم الأكيد وبالشمـــــــــــــم
سيؤنسك الرحمان جل جلالـــــــــــــه *** بطرسك (3) أن تمر القريحة بالقلـــم
(تنجداد) إني عبد ربي ومن يكــــــن *** الى ربه يستوطئ الأفق بالقلــــــــــم

(1)المعطس = الأنف

(2)كلمه = جرحه

(3)=طَرَّسَ الكِتَابَ: كَتَبَهُ أَوْ أَعَادَ الكِتَابَةَ عَلَى الْمَكْتُوبِ الْمَمْحُوِّ

**************************************************************************

المختار السوسي، عالم جليل في ضيافة تنجداد “الحلقة الخامسة” “نفي السلطان محمد الخامس”

 

resizedimage (4)

سعيد الخضار / سيدي افني.

يحكي العلامة محمد المختار السوسي في الصفحة 159 كيف قضى في “عقوبته ” السجنية في التأليف وكتابة الشعر،وكل ما رآه يستحق التسجيل من مذكرات وقواف ، لكن أكثر ماحز في نفسه هو قصيدة في زهاء 253 بيتا ، أودعها عند شخص ما هناك ، ولما طلبت منه في وقت لاحق ادعى من كانت عنده أنها سرقت منه .من أشعاره في صبيحة يوم الاحد 29 شعبان ،بينما انا أتناول فطوري عند السادسة ، من خبز السميد، وسمن لذيذ وشاي أحلي من الفانيد، إذ قلت ارتجالا:

هكذا هكذا يكون الفطــــور *** عايناه فهل عراه فطور؟
مضغة حلوة وشرب لذيـــذ *** كيف ياقوم يعتريني فتور
كلكم فاشهدوا بني “تنجداد “ *** أجمعين على أني شكور
أتملى كما أشاء بنعـــــــــيم *** دائم، كيف لا يدوم الشكور
رب شكرا، فزد سراحا قريبا *** نحو اهلي كيما يتم السرور

الخميس 20 غشت 1953

” بينما أنا في الدار عند العشاء إذا بكاتب من كتاب المركز يدعى “عاشور ” دخل علي ليخبرني بنفي السلطان محمد الخامس ومبايعة “ابن عرفة وسألني ماذا نحن صانعون؟ ثم صار يهذر ويقول ماذا نصنع الآن؟ فقلت له بهدوء: الأولى لك أن ترجع الى محلك وتملك أعصابك، فدع الأمور لمجريها القادر الحكيم قلت ذلك تبريدا له ومخافة ان يعرف الرئيس أن له بي صلة لأن ذلك يضربه وبي ، وكثيرا ما يلج علي هكذا حين يغلب عليه السكر، ……ولا اغفل هنا أن أنوه بالأيادي التي له علي – جزاه الله خيرا-فقد كان لا يطبخ طبيخا شهيا إلا وبعث لي منه، بل ذبح في عيد الأضحى الذي مر بنا ذبيحة ثانية ذكر أنه نواها لي ولطخ بفرثها باب مسكني وذلك عادتهم في الأضاحي ان يلطخ بفرثها باب من ذبحت عنه ،وكم فاكهة وكباب دس الي على يد أولاده جزاه الله خيرا، وقد كانت لزوجته يد صناع في إجادة الطهو. كما أنه أعارني كتبا منها (شمس المعارف) ذلك هو السيد عاشور الذي جاء الآن ليبلغني ما وقع لملكنا المحبوب جلالة الملكم محمد بن يوسف …. وقد حاولت أن أقول قصيدة في الموضوع، ولكن الصدمة ـ وجلال الموقف لم يفسحا لي ان أجد ولو مطلعا جيدا، فرأيت المثل الذي أرسله عبيد بن الابرص في قوله : حال الجريض دون القريض. حقيقة واقعة .

Sans titrehhh

****************************************************************************

المختار السوسي، عالم جليل في ضيافة تنجداد “الحلقة الأخيرة” “هذا ما قال في في حق”تنجداد” وأهلها”

 

resizedimage (4)

سعيد الخضار / سيدي افني.

يستعد عالمنا الجليل لمغادرة “تنجداد” لملم أوراقه ورمى وأبعد عنه كل ما خاف أن يضبط

معه أثناء التفتيش ورمى بالدواة والأقلام في بئر أمام منزله، وبقي الى حين العصر حيث جاءت سيارة القيوم على السجناء في ” أغبالو” نكردوس” ليأخذه الى هناك وهذا آخر ما

قال في في حق”تنجداد” وأهلها ….

” فودعت “تنجداد ، ذلك البلد الطيب الذي لا أنسى جوه في الشتاء ، ويا طالما خلج في ذهني إن أدركت الحرية أن اتخذ هناك مشتى، فهناك المياه الجارية، والنخيل الباسق، والحقول والغابات الممتدة ،، فلا ترى إلا أشجارا متنوعة ، مع أسواق تتوالى .. وهناك

مركز تجاري يبعد عن “تنجداد” قليلا، فيه كل ما يتوقف عليه ، وسكان هذه النواحي نظيفون لا يلبسون إلا البياض،ولا يقبلونالاتساخ مع امتزاج ببعض حضارة العصر، وعدم

الكزازة(الشح) في الإنفاق بله الديانة وسمو الأخلاق، والحياء الذي اسرته التربية الإسلامية فيما أسارتمن الرواسب. افلا يليق مكان هذه بعض صفاته أن يقضي فيه المختار مع أولاده مشتاهم تحت ذلك الصحو الصقيل، وبين تلك الحدائق الغلب، والمذياع ينقل إليك من أطراف العالم ما تشتهي فلئن تم كل هذا فهذه هي الحياة، وعلى غيرها الفناء……”

ثم يستطرد في وصف رحلته الى المعتقل “الجديد ” في “أغبالونكردوس” حيث خصص لهذ

المعقل فصلا سماه “الكردوسيات”  وهو من أجمل الفصول يصف فيه حالة المعتقل وكيف سمى المعتقلون مآويهم جمهوريات ” وذكر ان من بينها 11 جمهورية نذكر من بينها جمهورية برو 2-جمهورية علي بركاش 3-ج المكي بادو 4ج سيدي ميمون 5-ج البقالي6-ج اهل أزرو 7- ج الشرفاء 8-ج عمور 9- ج المهدي بن بركة 10-ج…….

وقد أسست هذ الجمهوريات الافتراضية أثناء وصولهم المعتقل الجديد حيث كونت كل مجموعة من الوطنيين “جمهوريتها الخاصة” .

انتهت رحلتنا مع العلامة محمد المختار السوسي في معتقل تنجداد ،وقصدنا من ذلك تنوير بعض القراء وخاصة شباب “تنجداد عن صفحات قد تكون مجهولة  للبعض وأمطنا عليها اللثام حتى لاتبقى ضحية الأرضة والغبار.

وحرر بآيت بعمران في ليلة السابع والعشرون من رمضان 1435

سعيد خ