العلامة المختار السوسي من خلال دعوة الحق.. (9) الرحالة الموثق

Home / المقالات / العلامة المختار السوسي من خلال دعوة الحق.. (9) الرحالة الموثق
العلامة المختار السوسي من خلال دعوة الحق.. (9) الرحالة الموثق

العلامة المختار السوسي من خلال دعوة الحق.. (9)

محمد المختار السوسي، الرحالة الموثق[1]

كانت طبيعة البلاد المغربية في التاريخ هي العامل الثاني في تكوين الاتجاهات السياسية والثقافية والاجتماعية عبر القرون الغابرة في هذه البلاد. فهذا التنوع في البيئة الجغرافية، هي في الحقيقة التفسير العلمي لأحداث التاريخ المغربي قبل أن يرتبط بتاريخ الإسلام وبعد ارتباطه. لهذا كان تاريخ المغرب مفتقرا أشد الافتقار إلى جمع عدة معلومات عن الأقاليم المغربية في الشمال والجنوب وتنسيقها حسب أهميتها ليتأتى للمؤرخ أن يدرسها ثم يفسر الأحداث على ضوئها. فكل إقليم في المغرب شاهد في التاريخ المغربي القريب والبعيد ميلاد عدة أحداث وقضايا سياسية ودينية واجتماعية، إن لم تفد المؤرخ السياسي أفادت المؤرخ الأدبي أو الاجتماعي.

 

وكتاب “من خلال جزولة” جمع فيه المؤلف مشاهداته في رحلاته الأربع التي قام بها لإقليم سوس، جباله وقراه ومدنه ومعالمه التاريخية ومدارسه العلمية. وقد قسم كتابه إلى أربعة أجزاء، جعل كل واحد منها خاصا برحلة لناحية في ظرف خاص. وقد سلك المؤلف في أسلوب الكتاب مسلكه المعهود في جمع المعلومات كما هي، وكيفما اتفق، فنجده في الجزء الأول يستعمل أسلوب اليوميات، طيلة رحلته الأولى. وفي الأجزاء الأخرى يستعمل أسلوب الحديث عن المدن والقرى والنواحي والشخصيات، فحدثنا عن أكادير وتارودانت وإليغ وإيجلي وتامدولت وغيرها. كما وثق المؤلف كل ما وجده من أسماء المخطوطات والمكاتب وأعلام القضاة والفقهاء والشعراء والقواد ورجال الحرب والسياسية، مع ربط ذلك كله بما طرأ على البلاد من أحداث تاريخية وسياسية قديما وحديثا.

العلامة المختار السوسي من خلال دعوة الحق.. (5)

والمؤلف مسجل ومحاضر وشاعر ومؤرخ، ينتقل بقرائه من شعر قديم إلى شعر حديث ومن شعر الفقهاء ونظم القضاة إلى شعر الأدباء ونكتهم وطرفهم، ومن الفوائد الفقهية إلى الشوارد اللغوية، ومن المعالم التاريخية إلى نوادر المخطوطات في سائر الموضوعات. وهذا الأسلوب يمثل طريقة خاصة، التزمها المؤلف واقتنع بصلاحيتها للموضوعات التي يعالجها، حيث قال في مقدمة الرحلة الثانية والثالثة والرابعة: “وقد حرصت على أن أودعها كل ما يلفت نظر المولعين بمعرفة الكتب. وبتراجم الرجال النابهين علماء كانوا أو رؤساء، مما أجد اسمه حديثا، ومما أقع عليه من الآثار الأدبية من نثر ونظم، ما دام مقبولا.. وإن لم يدرك الشأو العالي من البلاغة… وبوصف المجالس الأدبية التي أراها، فأسوق ما يروق من الفوائد والإنشاءات والإنشادات، ولا قصد عندي إلا أن أنشر حسب ما في طاقتي من تاريخ هذه الجهة، التي اصطلحت بأن أطلق عليها « جزولة »، ما أؤدي به لعشاق التاريخ المغربي العام والخاص ما يقر به الطرف ويبتهج بمعرفته الفؤاد”.

فالباحث في تاريخ المغرب السياسي والأدبي والعلمي يستفيد من المعلومات التي وردتها المؤلف في كتابه، فهناك من المعلومات الجغرافية والتاريخية عن إقليم سوس مالا يمكن أن يؤخذ إلا من هذا الكتاب. كما حرص المؤلف على اختيار الألفاظ والتعابير الفصيحة مع التنبيه إلى معانيها، إن كانت في حاجة إلى تفسير أو تعليق. والكتاب بعد هذه المظاهر الشكلية مكتوب بروح تفيض غيرة إسلامية ووطنية مغربية، وقومية عربية تربط الحاضر بالماضي وتتطلع إلى آفاق المستقبل المشرق للغة الضاد في هذه البلاد.

خلاصة القول إن كتاب “من خلال جزولة” ومثل “الرسالتان البونعمانية والشوفية” قد كتبهما المؤلف بأسلوب يقرب من أسلوب الرحلات والمذكرات الخاصة. فتحدث عن الأشخاص الذين قابلهم، وعن انطباعاته، وخواطره أثناء الحرب العالمية الثانية، ومضايقات السلطة الفرنسية لنشاطه.

يتبع في العدد المقبل..

——————–

1. زمامة، عبد القادر، “مع الأستاذ المختار السوسي في رحلاته من خلال جزولة”، دعوة الحق. العدد 7 السنة السادسة، أبريل 1963 ص: 73-75.


العلامة المختار السوسي من خلال دعوة الحق.. (10)

محمد المختار السوسي، المؤرخ الناقد[1].

قضى العلامة الكبير والأديب المبرز والمؤرخ الناقد المرحوم محمد المختار السوسي عدة سنوات في البحث والتنقيب عن أحوال المجتمع السوسي والحركة العلمية والأدبية فيه، وانتشار الزوايا والطرق الصوفية. وكانت نتيجة هذا المجهود المتواصل هي إخراج كتابي “سوس العالمة” و”المعسول” في عشرين جزءا،، حيث أُلقيت الأضواء الساطعة على علماء سوس وأدبائها وفقهائها وتقاليد سكانها وعاداتهم ومشاغلهم وإسهامهم المتنوع في تاريخ المغرب وحضارته.

وكان الهدف الأساسي من تأليف هذا الكتاب هو تخليد أهل إلغ في التاريخ بدءا بأسرة آل عبد الله ابن سعيد، ثم من ساكنوهم من الصلحاء والعلماء والأدباء والرؤساء. فأتبع أشياخ الإلغيين من الصوفية والعلماء، ثم الذين اخذوا عنهم من العلماء والصوفية المنتمين للمدرسة الإلغية وللزاوية الدرقاوية خاصة، ومن رجال الأسر العلمية الجزولية، ومن القواد والشيوخ السياسيين الذين لهم صلة مع الإلغيين عامة. فالمعسول ليس بتاريخ عام لكل علماء سوس ولكل أدبائه، بل هو صوان لطائفة خاصة منهم، مع ذكر كثير من الآثار الأدبية المختلطة مع الإسهاب في التراجم من حيث نسب المترجم مع ذكر وقت الولادة ووقت الوفاة أولا تحت اسم المترجم، ومن له من الأساتذة في القرآن والمعارف، ثم الأمكنة التي أخد فيها القرآن والمعارف، ثم أعمال المترجم من كل ناحية في التدريس وفي غيره مع التزام ذكر المدارس التي درس فيها والتلاميذ الذين اخذوا عنه، ثم مختلف الأنباء التي تتعلق بالمترجم، والأطوار التي تطور فيها، والآثار الأدبية إن كانت له، ثم أولاد المترجم وبمراثيه، وذكر جميع رجال أسرته إن كان المترجم من أسرة علمية.

العلامة المختار السوسي من خلال دعوة الحق.. (2)

والكتاب ليس كتابا مدرسيا، بل هو كتاب تأريخ يعرف أن هناك منذ أوائل القرن الخامس في منطقة سوس علماء وأدباء عرب، وأن من في تلك الزاوية الجنوبية المغربية رجال شاركوا أيضا في النبوغ المغربي في العلوم العربية وآدابها.

وجاءت فكرة جمع كتاب المعسول كما يذكر العلامة بعد أن تم نفيه إلى بلدته إلغ متم سنة 1355 هـ: “وحين لم أجد من أخالط إلى من في زاويتنا قنعت بتسجيل ما يتيسر من بعض أذكيائهم… ثم نظمته تنظيما يكاد يستوفي كل أعمال زوايا سوس ومدارسها مع الإلمام بأخبار بعض رؤسائها والحروب بينهم. وجمع رجالات الأسر العلمية تفصيلا. وقد رتبت الكتاب على خمسة أقسام. فاشترطت أنني كلما ذكرت رجلا ممن كانوا على شرط الكتاب أن أذكر كل ما حوله من رجالات أسرته من العلماء ومن تلاميذه ومن أساتذته وبهذا استطعت أن أحشر في الكتاب كمية عظيمة من زوايا العلم بسوس وبعض ديار الرياسة. فطال الكتاب بذلك حتى كانت مجلداته تنقسم إلى هذه الأجزاء:

ثلاثة في الإلغيين العلماء والرؤساء؛

خمسة في أساتذتهم كالجشتيميين والأدوزيين والتيمكدشتيين وآل ماء العينين والمزواريين والتامانارتيين والأقاريضيين؛

ثلاثة في تلامذة مدرستهم كاليزيديين والسالميين والحضيكيين والتادراتيين والناصريين والوهداويين الأساويين؛

ستة في الآخذين عن زاويتهم كالأكراريين والمحجوبيين والكرسيفيين والمعدريين والركنيين والتاتلتيين؛

ثلاثة في أصدقائهم السوسيين منهم رؤساء كالجرارين والتامانارتيين والقائد المدني والقائد الناجم وغيرهم..

وبهذا صار الكتاب عن سوس موسوعة فيها تسجيل كل ما أمكن من أخبار بعض العلماء، وبعض الصوفية؛ وبعض الرؤساء. فالكتاب كما يقولون كالمائدة الطافحة بأنواع الأطعمة، يأكل كل واحد منها ما يشتهيه فمن ليس بأديب لا يرتاح للأدب، ومن ليس بفقيه لا يرتاح لأحوال الفقه، ومن ليس بصوفي يستنكر حتى ما هو حق من أحوال الصوفية، نعم إن من يكون مؤرخا يريد أن يستنسخ يفرح بكل شيء ولو الخرافات فضلا عن الحقائق.

يتبع في العدد المقبل..

——————————-

1. دعوة الحق، العدد 2 السنة الرابعة نونبر 1960، ص 81-84.