العلامة محمد المختار السوسي: قامة العلم والجهاد التي لا تنحني

Home / المقالات / العلامة محمد المختار السوسي: قامة العلم والجهاد التي لا تنحني
العلامة محمد المختار السوسي: قامة العلم والجهاد التي لا تنحني
العلامة محمد المختار السوسي: قامة العلم والجهاد التي لا تنحني

يعتبر العلامة المغربي محمد المختار السوسي أحد أبرز رجالات الرعيل الأول من رجال الكفاح الوطني والفكر والثقافة بالمغرب في عهدي الحماية والاستقلال، فهو الفقيه الضليع في العلوم الشرعية، وهو المؤرخ المدقق  لمنطقة سوس ورجالاتها، وهو الشاعر المبدع الذي نظم الشعر وبرع فيه، كما جاهد في سبيل الوطن ضد المستعمر الفرنسي، وبذلك استحق لقب ” الوطني الغيور والمقاوم الصبور”.

ولد  المختار السوسي الذي لقب بـ”رضا الله”  في قرية تسمى  “إلغ” بنواحي  “تازروالت ”  شرق مدينة تزنيت بمنطقة سوس، في شهر صفر سنة 1318 هجرية الموافق لسنة 1900 ميلادية، وسط أسرة دينية وعلمية، ذلك أن أباه علي بن أحمد السوسي كان شيخ الزاوية  الدرقاوية الصوفية .
بعدما اشتد عوده اتجه نحو مراكش لاستكمال معارفه فانكب على التحصيل بجامع ابن يوسف منقطعا عن المخالطة بتأثير نفحة صوفية، وبعدما أحس السوسي أن مراكش لن تستطيع إشباع نهمه للعلوم وتحقيق طموحه المعرفي، اتجه صوب  العاصمة العلمية فاس ليتم دراسته في المدرسة البوعنانية،  حيث  نهم العلوم الشرعية علي يد علماء مدينة فاس، وكذا التاريخ والجغرافيا والحساب والأدب، واندمج في البيئة الفاسية المتفتحة على العالم في ظل حركة ثقافية ووطنية حية، كانت ثمرتها نشأة  طائفة من المفكرين الشباب في تلك المرحلة التي كان فيها الاستعمار الفرنسي باسطا ذراعيه على بلاد المغرب.
انتقل إلى الرباط سنة 1347 وتلقى دروس العلم والتفسير على يد  “شيخ الاسلام العلامة أبي شعيب الدكالي وثلة من علماء عصره، كما اطلع في الرباط على دروس علمائها السلفيين المجدين مثل المدني بن الحسني والشيخ محمد السائح كما اطلع على الأدب العربي القديم والحديث في نوادر مصادره وفي المجلات والمطبوعات المختلفة.
أحس السوسي بأن بيئة فاس والرباط  لم ترويا عطشه من العلوم، فعزم السفر نحو بلاد الكنانة مصر، غير أن الفقر حال دون إتمام مسيرته، فاتجه قاصدا المدينة الحمراء “مراكش ” وأنشأ بها أول مدرسة حرة، وذلك لإيمانه بأن التعليم والتربية هما السبيل القويم لمحاربة الجهل والتخلف، ومحاربة الاستعمار ومناهجه التعليمية التي احتقرت عقيدة الأمة ومحو لغتها،  واعتنى السوسي بالمواد المهملة في المقررات الرسمية التي أرساها الاحتلال الفرنسي، كاللغة العربية والقرآن والتاريخ المغربي، والسيرة النبوية، وفي النظام العتيق كالتفسير وعلوم الحديث والأدب .

قيل عنه إنه كان من المغاربة الوطنيين الأحرار، الذين تنطبق عليهم الآية الكريمة ” مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللًه علَيْه”، ذلك أن السوسي قام  بمساع حميدة ومشكورة في سبيل الوطن العزيز، والعمل على انعتاقه وفك أغلاله وقيوده من “تسلط الاستعمار اللعين،  فاقتنع خلال مدة إقامته في فاس بقيمة العلم والعمل ودورهما في تغيير حال المجتمع والوطن، وخطط مع زملائه لمستقبل بلادهم فأسسوا جمعيتين الأولى ثقافية معلنة سموها “جمعية الحماسة” وترأسها هو نفسه،  والثانية سياسية سرية ترأسها علال الفاسي.
عارض السوسي  الظهير البربري الذي أعلنته سلطات الحماية، وجاهر في منطقته بالحركة الوطنية ، فلفلت عمله الدؤوب في دفاعه عن الوطن، ومحاربته للمستعر بالعلم والنضال، جر عليه نقمة الفرنسيين وعملائهم، فرغبوه بالمناصب وأرهبوه بالمحاكم، ولما يئسوا من انصياعه، قبضوا عليه وزجوا به في أحد المعتقلات مع رفاقه  الوطنيين المغاربة، غير أن وجوده في السجن لم يكبح جماح نضاله، فأزعج المستعمر، وجر عليه غضبه، ليتم نفيه من مراكش  بإيعاز من عملائه خونة الوطن إلى مسقط رأسه سنة 1355 حيث قضى تسع سنوات ذاق خلالها مرارة العزلة والغربة إذ منع من الاتصال بالأجانب، وبأبناء بلاده.
عاش السوسي  هذه الفترة التي  كانت كافية بالنسبة إليه، في عزلة خاصة، مكنته من تأليف المزيد من الكتب، ولم يستسلم للقدر، فانتهز الفرصة  ليشتغل بما ينفع أمته، وصرف همته إلى جمع تاريخ منطقة سوس التي اشتهرت في التاريخ بكثرة العلماء ووفرة الأدباء وتمسك أهلها بالشرع الإسلامي، فألف كتاب المعسول الذي قدم في 20 جزءا، واشتمل نظرة عامة على العلم العربي وأعلامه ومؤسساته في منطقة سوس.
وبعد إطلاق سراحه، ومكافأة له على جهوده النضالية في سبيل تحرر المغرب، عينه الملك الراحل محمد الخامس وزيرا للأوقاف العمومية في أول حكومة مغربية وطنية، وذلك خلال 1375 هـ، ثم عين بعد ذلك عضوا في مجلس التاج سنة 1376هـ، وهي الوظيفة التي لازمها حتى وفاته، فضلا عن عضويته في لجنة مدونة الفقه الإسلامي، ثم قاضيا شرعيا للقصور الملكية.
يعتبر المختار السوسي شخصية بارزة لامعة في سماء العلم والأدب والتاريخ والبحث والدراسة، والاستفادة والإفادة، مشارك في كثير من فنون المعرفة، متخصص بارع في مادة الأدب والتاريخ، خصوصا تاريخ سوس، متضلع في ميدان اللغة العربية، متمكن من ناصيتها، فقد أثرى المكتبة بعدد لا يستهان به من نوادر المخطوطات العربية التي اكتشفها في مختلف المكتبات المغربية، فقد تعددت الواجهات التي اهتم بها العلامة السوسي، فمن النضال الوطني إلى الإصلاح الاجتماعي، ومن التأليف التاريخي إلى الإبداع الأدبي، ومن التصنيف العلمي الشرعي إلى التربية والتعليم، وقد أنتج هذا النشاط الدائب والعمل المستمر مؤلفات كثيرة تنيف على الثمانين جزءا، تميزت بعمق النظر ودقة التفكير وحسن الترتيب وسعة الإحاطة.
توفي المختار السوسي سنة 1383 عقب مضاعفات ناتجة عن إصابته في حادثة سير وفي هذه المرحلة صرف جهده وهمته إلى إخراج مؤلفاته وكأنما كان يسابق الأجل، فخلف تراثا علميا كبيرا وغنيا، مخطوطا ومطبوعا، تعددت واجهاته بين الأدب والتاريخ والتربية والتعليم والفقه والتصوف،  كما تركزت كتبه ومؤلفاته حول منطقة سوس فألف   ” خلال جزولة ” في أربعة أجزاء وهو وصف لأربع رحلات علمية في المناطق السوسية مليئة بالفوائد العلمية والأدبية والتاريخية ، ثم  ” الإلغيات ” في 3 أجزاء تضمن مذكراته خلال نفيه إلى مسقط رأسه، ثم ” سوس العالمة ” بمثابة مقدمة لموسوعة المعسول  الشهيرة والتي قدمت في عشرين جزءا، و” إيليغ قديما وحديثا “  تاريخ إمارة أسستها أسرة شريفة في قلب جبال جزولة السوسية منذ القرن 11 الهجري، و” معتقل الصحراء ” يشمل مذكرات المعتقل الصحراوي إثر النفي الثاني وفيه نبذة من نشاط النخبة السياسية المغربية في المنفى… إلى ذلك من المؤلفات التي لا يسع الحيز لعدها.

http://www.pjd.ma/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AE%D8%AA%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B3%D9%8A-%D9%82%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A-%D9%84%D8%A7-%D8%AA%D9%86%D8%AD%D9%86%D9%8A